ابزار وبمستر

ابزار وبمستر

مــــــــتــــرجـــــــم عـــــــربــــي
وحدة القصیدة فی ( عیار الشعر ) - خلیل الموسى

یتضح لنا، من خلال مراجعتنا لكتاب "عیار الشعر" لابن طباطبا(1)، ومن خلال وقوفنا عند النصوص التی تدل من قریب أو بعید على رأیه فی "وحدة القصیدة"، أن لطبیعة الوحدة التی نادى بها هذا الناقد سمات، أهمها:‏

1  الوحدة المنطقیة:‏

تتمیز وحدة القصیدة، عند هذا الناقد الشاعر، بمنطقیة صارمة؛ فعلى القصیدة أن تتسلسل تسلسلاً سببیاً، ویكون المنطق حكماً فیها، فینسق الشاعر أبیاتها ویحكِّم الوعی المنطقی وحده فی ترتیبها، وهو یعول على المعنى فی كل ذلك، ویطبق هذا المعیار على أشطر الأبیات ذاتها، فقد یتطلب منه المعنى أن یغیر شطر بیت بآخر. یقول ابن طباطبا فی ذلك: "وینبغی للشاعر أن یتأمل تألیف شعره، وتنسیق أبیاته، ویقف على حسن تجاورها أو قبحه فیلائم بینها لتنتظم له معانیها، ویتصل كلامه فیها، ولا یجعل بین ما قد ابتدأ وصفه أو بین تمامه فصلاً من حشو لیس من جنس ماهو فیه، فینسى السامع المعنى الذی یسوق القول إلیه، كما أنه یحترز من ذلك فی كل بیت، فلا یباعد كلمة عن أختها ولا یحجز بینها وبین تمامها بحشو یشینها، ویتفقد كل مصراع، هل یشاكل ما قبله؟ فربما اتفق للشاعر بیتان یضع مصراع كل واحد منهما فی موضع الآخر فلا یتنبه على ذلك إلا من دق نظره ولطف فهمه"(2).‏

ویلاحظ على النص السابق اهتمام ابن طباطبا بالمستمع، وهذا ما دفعه إلى أن یهتم بالقصیدة، ولكن اهتمامه، هنا، ینحصر فی معناها وتتالی أفكارها وانبثاق كل فكرة من سابقتها، وهو، فی كل ذلك، یتفقد الشطور ویرتبها ترتیباً منطقیا أكثر مما هو شعری، وكأن السامع لا یتابع من القصیدة إلا معناها.‏

ورؤیة هذا الناقد المنطقیة تجعله یمیز أیضاً بین بناء قصیدة وأخرى، ومعیاره فی ذلك العقل وحده؛ فإذا كانت القصیدة محكمة البناء، متقنة، أنیقة الألفاظ، عجیبة التألیف، بحیث إذا نقضت وجعلت نثراً لم تبطل جودة معانیها، ولم تفقد جزالة ألفاظها، خلدت كالقصور المشیدة، والأبنیة الوثیقة الباقیة على مر الدهور، أما إذا كانت القصیدة مهلهلة البناء مموهة بالزخرف اللفظی، تروق الأسماع والأفهام إذا مرت صفحاً، فإذا حُصِّلت وانتقدت بهرجت معانیها، وزیفت ألفاظها، ومجت حلاوتها، ولم یصلح نقضها لبناء یستأنف منه، فإنها كالخیام الموتدة التی تزعزعها الریاح وتوهیها الأمطار، ویسرع إلیها البلى، ویخشى علیها التقوض(3)، واحتكامه للعقل وحده جعله یرى تسلسل المعانی معیاراً رئیسیاً فی بنیة القصیدة، لذلك جعل النثر نموذجاً، على الشعر أن یحتذیه، فخلود الشعر فی معناه، ومعیاره فی ذلك أن یكون المعنى صحیحاً معافى إذا ما نثرت أبیات القصیدة، وبهذا ابتعد ابن طباطبا ببنیة القصیدة عن إحساس المنطق الداخلی الذی قالت به المدرسة الرمزیة SYMBOLISME والذی یحكم العلاقات الداخلیة فی شرایین القصیدة، كما ابتعد بها عن البنیة العضویة والتسلسل العفوی والخیال الخلاق وعناصر التوتر وجنون النبض، وعن اللحظة المشرقة وصفاء الدیباجة التی نجدها عند البحتری وأترابه، وعن جنون العبقریة والتفرد والخصوصیة التی نجدها فی قصائد المتنبی مثلاً.‏

ولم یكتفِ ابن طباطبا برؤیته المنطقیة وامتثاله الشدید لآراء أرسطو أینما وقعت، وإنما راح یقید الشاعر بقیود لیست من طبیعة الشعر، استقاها من فنون نثریة أخرى كفنّی الخطابة والبلاغة وغیرهما، وهو یرى فی النثر نموذجاً صالحاً لأن یحتذیه الشعراء فی قصائدهم، فإذا قدمنا بیتاً على بیت فی القصیدة دخلها الخلل كما یدخل الرسائل والخطب إذا نقض تألیفها: "فإن الشعر إذا أسس تأسیس فصول الرسائل القائمة بأنفسها، وكلمات الحكمة المستقلة بذاتها، والأمثال السائرة الموسومة باختصارها لم یحسن نظمه، بل یجب أن تكون القصیدة كلها ككلمة واحدة فی اشتباه أولها بآخرها، نسجاً وحسناً وفصاحة وجزالة ألفاظ ودقة معان، وصواب تألیف، ویكون خروج الشاعر من كل معنى یصنعه إلى غیره من المعانی خروجاً لطیفاً.... حتى تخرج القصیدة كأنها مفرغة إفراغاً.... لا تناقض فی معانیها ولا وهی فی مبانیها، ولا تكلف فی نسجها، تقتضی كل كلمة ما بعدها، ویكون ما بعدها متعلقاً بها مفتقراً إلیها".(4).‏

ویلاحظ أن ابن طباطبا لم یكتفِ بالتشدید على الوحدة المنطقیة من حیث المعنى الذی تتعرض له القصیدة، وإنما یشدد منطقیاً، على وحدة المبنى؛ فعلى القصیدة أن تتمیز ب"وحدة النسج"، وأن تكون ككلمة واحدة فی اشتباه أولها بآخرها نسجاً وحسناً وفصاحة، وهذا ما افتقده القدماء، مثلاً، فی قصائد أبی تمام التی اختلفت بعض أبیاتها مع بعض من حیث جودة النسج. وكان من الممكن لدى بعض النقاد السابقین لابن طباطبا أن یتخذوا بعض قواعد البلاغة الخطابیة مقاییس للشعر، أما ابن طباطبا فقد محا الفروق بین القصیدة والرسالة النثریة فی البناء والتدرج واتصال الأفكار، وهو یرى أن "للشعر فصولاً كفصول الرسائل فیحتاج الشاعر إلى أن یصل كلامه على تصرفه فی فنونه صلة لطیفة فیتخلص من الغزل إلى المدیح، ومن المدیح إلى الشكوى، ومن الشكوى إلى الاستماحة... بلا انفصال للمعنى الثانی عما قبله"(5). ومقطع القول الفصل أن "الشعر رسائل معقودة والرسائل شعر محلول"(6). ویظل ثمة فرق بین القصیدة والرسالة، فقد یجوز فی الرسالة أن یُبنى فیها كل فصل قائماً بنفسه، أما القصیدة فلا یجوز فیها ذلك، بل یجب أن تكون كلها "ككلمة واحدة"، نسجاً وحسناً وفصاحة، وهذا لیس فرقاً بین كل قصیدة وكل رسالة، وإنما هو فرق بین القصیدة ونوع معین من الرسائل التی لا تعتمد وحدة البناء. هذا بالإضافة إلى أن ابن طباطبا قد وضع معیاراً آخر للشعر المحكم المتقن، وذلك أنه إذا نقض بناؤه وجعل نثراً لم تبطل فیه جودة المعنى ولم تفقد جزالة اللفظ.‏

وهكذا نجد أن لوحدة القصیدة فی "عیار الشعر"، مفهوماً منطقیاً یرتكز على العقل وحده فی القیاس، والعقل، عند ابن طباطبا، الوحید القادر على أن یهب للقصائد الخلود؛ وذلك بشرط أن تتناسب القصیدة فی ذاتها تناسباً یقوم على تجانس عناصرها منطقیاً. ومأخذنا یتلخص فی أن هذا الناقد قد أهمل أولویة التجربة الشعریة وانحاز إلى العقل انحیازاً كلیاً مما جعل القصیدة صناعة خالصة.‏

2  الوحدة الصناعیة:‏

وإذا ما كان العقل مشرعاً ماهراً. فإن التشریع یحتاج إلى تنفیذ، ویتطلب التنفیذ الصناعة والإتقان، ولذلك یشترط ابن طباطبا أن تكون القصیدة "كالسبیكة المفرغة، والوشی المنمنم والعقد المنظم، واللباس الرائع فتسابق معانیه ألفاظه، فیلتذ الفهم بحسن معانیه كالتذاذ السمع بمونق لفظه، وتكون قوافیه كالقوالب لمعانیه، وتكون قواعد للبناء یتركب علیها ویعلو فوقها".(7).‏

ومما لاشك فیه أن صناعة الشعر عند ابن طباطبا هی الصناعة البدائیة، بمعنى أن الصناعة تشمل مراحل القصیدة كلها منذ أن تكون فكرة إلى أن تصبح حقیقة، وهی بذلك تختلف اختلافاً جذریاً عن الصناعة الشعریة التی نعرفها فی المدرسة الرمزیة، وبخاصة عند ادغار آلان بو وبودلیر ومالارمیه؛ فالصناعة، فی هذه المدرسة، مرحلة متأخرة من مراحل تكوین القصیدة؛ فقد كانت القصیدة، عندهم، تبدأ، أولاً، ضمن إحساس مجهول بنغم غریب مجنون یرتاد كیان الشاعر ویهزه، ویبقى هذا النغم مسیطراً على الحالة الشعریة ETAT POETIQUE حتى المراحل المتأخرة منها، وهذا ما حمل مالا رمیه على القول: "لیس بالأفكار تصنع القصائد، یادیغا، وإنما بالكلمات"(8).‏

أما مرحلة الوعی الصناعیة فهی مرحلة إحساسیة أیضاً، أو هی تقوم على تداعی المنطق الداخلی فی لغة الرمزیین، فقد كان مالارمیه یقتصد الكلمات فیضغطها مما یجعلها تنوء بأثقالها فتتدفق معانی وأنغاماً، وتتفجر هنا وهناك بإشعاعات مركزیة وبأسلوب فرید یطمح إلى رسم أثر الكلمات فی النفوس، ولم یكن همه البحث عن الكلمات النادرة ولا عن الكلمة الجدیدة:"همه الوحید اختصار الكلمات إلى حضورها الدال، بهدف واضح هو"رسم لا الشیء"، لكن الأثر الذی ینتجه. وإذاً لیست قصیدته رسماً لحقیقة ملموسة، ولكنها فن ساحر لمواقد التكثیف والإشعاع فیه حظ راجح"(9). وهذا هو ما فعله ازرا باوند فی قصیدة "الأرض الخراب" لإلیوت(10). أما الشعر عند ابن طباطبا فهو صناعة خالصة، أو هو مادة خارجیة لا علاقة للشاعر بها إلا من قبیل أنه یصنعها؛ فالشاعر: "كالنساج الحاذق الذی یُفوِّف وشیه بأحسن التفویف ویسدّیه وینیّره، ولا یهلهل شیئاً منه فیشینه، وكالنقّاش الرفیق الذی یضع الأصباغ فی أحسن تقاسیم نقشه، ویشبع كل صبغ منها حتى یتضاعف حسنه فی العیان، وكناظم الجوهر الذی یؤلف بین النفیس منها والثمین الرائق ولا یشین عقوده، بأن یفاوت بین جواهرها فی نظمها وتنسیقها"(11). هكذا لا یتعدى مفهوم الشاعر؛ عنده، أكثر من أن یكون نسَّاجاً حاذقاً، أو نقاشاً رفیقاً، أو ناظم جواهر، وهكذا یصبح الشعر صناعة خالصة، أو مادة شبیهة بالمواد الخام فی الصناعات الأخرى، وبخاصة حین یضع تصمیماً لكتابة القصائد، ومخططاً قبل الشروع فی صیاغتها: "فإذا أراد الشاعر بناء قصیدة مخض المعنى الذی یرید بناء الشعر علیه فی فكره نثراً، وأعد له ما یلبسه إیاه من الألفاظ التی تطابقه، والقوافی التی توافقه، والوزن الذی یسلس له القول علیه، فإذا اتفق له بیت یشاكل المعنى الذی یرومه أثبته، وأعمل فكره فی شغل القوافی بما تقتضیه من المعانی على غیر تنسیق للشعر، وترتیب لفنون القول فیه، بل یعلق كل بیت یتفق له نظمه على تفاوت ما بینه وبین ما قبله. فإذا أكملت له المعانی، وكثرت الأبیات وفّق بینها بأبیات تكون نظاماً لها وسلكاً جامعاً لما تشتت منها".(12).‏

ویلاحظ على هذه الفقرة أن للشعر مواد أولیة، منها المعنى والألفاظ والقوافی والأوزان، وتحضیر المواد مرحلة أولى فی تصمیم ابن طباطبا، أما المرحلة الثانیة فهی إثبات كل بیت على غیر تنسیق بل یسجل دون ترتیب، وتحتاج صناعة الشعر، عنده، إلى مرحلة ثالثة، وهی مرحلة تنسیق الأبیات بحسب المعانی والأغراض. ویلاحظ على هذه المراحل جمیعها إهمالها الإحساس الشعری والعبقریة المتوهجة والمنطق الخیالی الداخلی. ویلاحظ الطیب الشریف على هذا التصمیم الذی یقترحه ابن طباطبا للقصیدة، طابع الوصف الذاتی، ویعنی بذلك، أنه یصف منه منهجه الشخصی الذی یسلكه هو فی نظم الشعر(13). ومن ثم فهو یخلو من أی منهج تحلیلی موضوعی لطبیعة التجربة الإبداعیة، بوصفها جهداً فكریاً مركباً، ینزع إلى تحقیق نوع من الوحدة فی إطار أولی یعیشها الشاعر من الداخل. وتفرغ فیه الصور الملائمة لطبیعة المحتوى ینتظمه ذلك التخطیط الأولی، لأن كل جهد فكری یتضمن عدداً مشاهداً أو مضمراً من الصور التی تتدافع وتتزاحم بغیة الدخول فی تخطیط معین(14).‏

ویبدو لنا، أخیراً، أن الصورة الصناعیة لا تفارق مخیلة ابن طباطبا فی عمل الشعر؛ فالشاعر تارة كالنساج الحاذق، وتارة كالنقاش الرفیق، وتارة كناظم الجوهر. ثم إن تصور ابن طباطبا الوحدة فی العمل الفنی كالسبیكة المفرغة من جمیع أصناف المعادن، حتى تخرج القصیدة كأنها مفرغة إفراغاً "صنعة خالصة لا تنبعث فیها حركة من نمو ولا تمازجها حیاة عضویة، تلك هی صورة "الوحدة" عند هذا الناقد الذی لا یعرف التأنی العقلی الواعی فی التقدیر والرصف".(15).‏

یبدو لنا، مما تقدم، اهتمام ابن طباطبا بالصنعة مما أدى إلى إهماله التجربة الشعریة إهمالاً یكاد یكون كاملاً، وكأن تفرد الشاعر عن غیره یتلخص فی توفیر المواد الأولیة، أو ما یسمیه كولردج الخیال الأولی  المعرفة الضروریة. علماً بأن الشعر یحتاج إلى الخیال الثانوی الذی یقدر الشاعر بوساطته على صهر المواد الأولیة فی أتون الذات والتجربة عملاً فنیاً موحداً ذا طعم واحد ونكهة واحدة؛ فالشعر تجربة قبل أن یكون أی شیء آخر، وشعرنا العربی القدیم زاخر بالتجربة الحیویة، وإن كان بعضه لا یعدو أن یكون رصفاً لغویاً باهتاً؛ فالقصیدة، مثلاً، عند امرئ القیس، تعبّر عن تجربة كیانیة حارة، سواء أكانت منظومة قبل یوم دمون حیث اللهو والخمرة والمجون أم بعد یوم دمون حیث المغامرة الصعبة والبحث عن الأب من خلال الثأر الذی لا یتحقق، مما أدى بالشاعر إلى أن یبقى جوالاً باحثاً عن أمر لا یراه یتحقق، عن المستحیل. والقصیدة، عند المتنبی، لا تقل تجربة حارة عن تجربة سلفه؛ فهو الشاعر الطموح الذی ما عرف السكون، إنه شاعر البحث عن المستحیل. ونحن، هنا، وإن رفضنا عقد مقارنة بین رؤیة ابن طباطبا النقدیة لبنیة القصیدة، ورؤیة المدرسة الرمزیة لها، مجبرون على أن نقارن بین نقده وما توصلت إلیه القصیدة العربیة حتى عصره، بدءاً من امرئ القیس حتى شباب ا لمتنبی (ابن طباطبا  ت 322ه/ المتنبی  ت 354ه). مروراً بالشعراء الكبار بشار بن برد وأبی نواس ودعبل بن علی الخزاعی وأبی تمام والبحتری وابن الرومی وغیرهم. وهكذا یبدو لنا أن الشعر بلا تجربة شعر بلا حركة، والحركة نمو وصراع وحیاة، ومن الحركة والنمو والصراع وحدة القصیدة النامیة، وقصیدة غیر عضویة نامیة أقرب إلى أن تكون جثة محنطة منها إلى أی شیء آخر.‏

3  الوحدة الالتصاقیة (التجاوزیة):‏

من خصائص وحدة القصیدة، عنده، أنها "التصاقیة"، ونرى أن سبب تلصیق أبیات القصیدة بعضها ببعض یعود إلى المفهوم الشعری عند هذا الناقد الناظم؛ فالشاعر، عنده، لیس بأكثر من ناظم أو هو صانع شعر. وانطلاقاً من هذا المفهوم أهمل ابن طباطبا الإحساس الجمالی لیهتم بالمنطق، وأهمل التجربة الشعریة لیهتم بالنحت والصناعة، ولذلك ظن أن الشعر الخالد یستطیع أن ینتجه كل من توافرت لدیه الأدوات والتصمیم والمهارة. وكنا قد رأینا أن مراحل تكوین القصیدة، عنده، ثلاث؛ مرحلة جمع الأدوات والتصمیم، ومرحلة تألیف بعض الأبیات وتثبیتها، ثم مرحلة ضم الأبیات بعضها إلى بعض.‏

ویمكننا أن نختصر هذه المراحل الثلاث فی مرحلتین: مرحلة تصنیعیة ومرحلة تلصیقیة (تجاوزیة). وهو، فی المرحلة التصنیعیة، لا ینسق أبیات القصیدة حین النظم، وإنما یصنِّع الأبیات بیتاً فبیتاً، ویحتفظ بكل بیت یتم صنعه، إلى أن تكتمل المعانی التی یریدها، وتنتهی القوافی التی جمعها، وتتراكم إلى جانبه الأبیات. ویبدأ، فی المرحلة الثانیة  المرحلة الالتصاقیة  التجاوریة بترتیب هذه الأبیات، وتنسیقها، وذلك حین یلصق بعضها ببعض، وهو فی ذلك، ینشد وحدة القصیدة، وإذا ما احتاج، فی مرحلته هذه، إلى بیت لاصق، نظمه حین الطلب، ثم عقد بینها وبین ما قبله وما بعده، فیكون لاصقاً لهذه الأبیات ونظاماً لها، وسلكاً جامعاً لما تشتت منها(16).‏

هكذا تظل وحدة البیت هدفاً فی المرحلة الأولى وتألیف القصیدة هدفاً فی المرحلة الثانیة، ویبدو لنا أن " تألیف القصیدة"، غیر "وحدة الحیاة"، التی عبّر عنها برغسون (17). وغیر الوحدة التی تحدث عنها أرسطو فی كتابه "فن الشعر"، وغیر الوحدة العضویة النامیة، وحدة الكائن الحی كما نعرفها جمیعاً فی الرومانتیكیة عند كولردج؛ لأن الكائن الحی لا یولد عضواً منفصلاً عن عضو. والكائن الحی لا یولد صناعیاً، سواء أكانت هذه الصناعة یدویة بدائیة أم آلیة متطورة، وإنما من خلال عوامل داخلیة طبیعیة ذاتیة، ویتحرك، فی نموه، داخلیاً تلقائیاً من خلال الحركة التی یؤدیها الكائن الحی فی ذاته.‏

4  الوحدة التناسبیة أو وحدة التكثر فی القصیدة:‏

ظلت القصیدة، عند ابن طباطبا، على ما هی علیه فی العصر الجاهلی من تعدد فی الموضوعات. وإذا ما كان هذا التعدد، فی القصیدة الجاهلیة، عفویاً وضروریاً وحقیقة فرضتها التجربة وطبیعة العصر؛ لأن الشاعر الجاهلی كان فی تجاربه یعیش على التعدد(مشهد الأطلال  مشهد الرحلة  مشهد الناقة....الخ).(18). فإن بقاءه فی القصیدة العباسیة(19)، بخاصة، أمر یحتاج إلى وقفة، وبخاصة إذا أدركنا أن كثیراً من الشعراء العباسیین رفضوا هذا التعدد فی قصائدهم، لأنه لا یتلاءم مع طبیعة عصرهم، فرفضوا بعض أجزاء القصیدة كمشهدی الطلل والناقة وغیرهما(20). وهذا هو ابن طباطبا یتحدث عن ربط هذه الموضوعات بعضها ببعض وكأنه یعتقد أنه، بفعله هذا، یستطیع أن یحصل على وحدة القصیدة، وإذا ما استهدف الشاعر هذه الوحدة، فما علیه إلا أن "یسلك منهاج أصحاب الرسائل فی بلاغاتهم، وتصرفهم فی مكاتباتهم، فإن للشعر فصولاً كفصول الرسائل، فیحتاج الشاعر إلى أن یصل كلامه على تصرفه فی فنونه صلة لطیفة، فیتخلص من الغزل إلى المدیح، ومن المدیح إلى الشكوى، ومن الشكوى إلى الاستماحة، ومن وصف الدیار والآثار إلى وصف الفیافی والنوق، ومن وصف الرعود والبروق إلى وصف الریاض والرواد، ومن وصف الظلمان والأعیار إلى وصف الخیل والأسلحة، ومن وصف المفاوز والفیافی إلى وصف الطرد والصید، ومن وصف اللیل والنجوم إلى وصف الموارد والمیاه، والهواجر والآل، والحرابی والجنادب، ومن الافتخار إلى اقتصاص مآثر الأسلاف، ومن الاستكانة والخضوع إلى الاستعتاب والاعتذار، ومن الاباء والاعتیاص إلى الإجابة و التسمح، بألطف تخلص وأحسن حكایة، بلا انفصال للمعنى الثانی عما قبله، بل یكون متصلاً به، وممتزجاً معه، فإذا استعصى المعنى وأحاطه بالمراد الذی یسوق القول بأیسر وصف وأخف لفظ لم یحتج إلى تطویله وتكریره"(21).‏

یكفی هذا النص الطویل لأن ندرك أن الوحدة، عند هذا الناقد، متعددة الموضوعات. هذا مما یثبت أن ابن طباطبا لم یأخذ بالوحدة التی جاءت فی كتاب "فن الشعر"، أو هو لم یفهمها تمام الفهم، أو أن الترجمة الركیكة لكتاب "فن الشعر"، قد أساءت فهمه، فالوحدة فی "فن الشعر" ترتكز، قبل كل شیء، على وحدة الموضوع على حین أن وحدة القصیدة فی "عیار الشعر"، تقوم على تعدد الموضوعات، وتلح على التناسب فیما بینها. ونخلص من خلال هذا النص، ومن خلال مابین أیدینا من شعر لابن طباطبا(22). إلى ملاحظة مفادها أن هذا الرجل، فی شعره، أقرب إلى الشعر العباسی المحدث فی لغته وبدیعه وتراكیبه ومعانیه، وفی هیكل القصیدة، ونحن لا نجد فی قصائده، حتى المدحیة منها، أی أثر لمشهد الطلل، أو مشهد الناقة، أو مشهد الصید، أو غیر ذلك، على حین یتحدث فی نقده، عن هذه المشاهد، وكأن ابن طباطبا الشاعر غیر ابن طباطبا الناقد، فهو یختلف فی نهجه الشعری عن تنظیره النقدی.‏

ویبدو لنا أخیراً، ومما تقدم، أن تعدد الموضوعات یسیء إلى وحدة القصیدة وتجربتها، وقد كان بإمكان ابن طباطبا أن یكون أكثر توفیقاً، فی هذه الظاهرة، لو كان أكثر معاصرة لزمانه. أعنی أنه لم یحالفه الحظ حین عاد إلى بنیة قصیدة المدیح فی الجاهلیة لیستنبط منها وحدة القصیدة بشكل عام، فعاد من قصیدة المدح هذه ببنیة القصیدة التقلیدیة وبمفهوم مشوه عن الوحدة إذا ما قسناه بالتطور الذی طرأ على بنیة القصیدة فی زمانه، ویبدو لنا أنه لو عاد إلى بعض القصائد الجیدة التی عاصرها، والتی تتوافر فیها بنیة نامیة، وخیال عضوی خلاق ووحدة موضوع لاستطاع أن یتوصل إلى نتائج أفضل. ویرى الدكتور إحسان عباس أن القصیدة، عند ابن طباطبا، قد تتعدد موضوعاتها، وأن الوحدة فیها قد تكون وحدة بناء وحسب، فتلك هی الغایة الكبرى من هذا التدقیق فی التوالی والتدرج وإقامة العلاقات بین الأجزاء(23). ولما نظر النقاد فی الموروث الشعری وجدوا القصیدة الطویلة معرضاً لتفنن الشاعر، فقد كانت تسمح بتعدد الموضوعات فی بنیتها، ولم یستطع النقاد أن یتنكروا للموروث، حتى لنجد بعضهم یجعل تعدد الموضوعات التی أجاد الشاعر عرضها فی قصیدته علة لاختیارها. ولهذا كان كل حدیث للنقاد عن الوحدة إنما یتم من خلال التكثر، أی كیف تمثل القصیدة وحدة رغم ذلك التكثر؟ فذهب ابن قتیبة إلى القول بالوحدة النفسیة عند المتلقی، أی قدرة الشاعر على جذب انتباه السامع أولاً، لیضعه فی جو نفسی قابل لتلقی ما یجیء بعد ذلك، ویرى الدكتور إحسان عباس أن هذا لا یثبت للقصیدة نفسها وحدة، إذ قد یكون الموضوعان فیها متباعدان حتى فی الجو النفسی العام لدى الشاعر. ثم كأن ابن طباطبا أدرك أن كل هذا الذی قاله ابن قتیبة لا یحقق الوحدة التی یرغب فیها، ولهذا ألح على مبدأین یكفلانها: أولهما مبدأ التناسب  وهذا المبدأ یحقق للقصیدة المستوى المطلوب من الجمال  والثانی هو التدرج المنطقی (وهو یحل محل الترابط المعنوی عند ابن قتیبة)؛ فالقصیدة أولاً كیان نثری ینسج شعراً فی تدرج صناعی خالص، كما ینسج الثوب، مع الحذف فی الربط عند الانتقال، فی داخل القصیدة، من موضوع إلى موضوع.(24).‏

یتبین لنا أخیراً، أن مفهوم الوحدة عند ابن طباطبا مفهوم شكلی صرف، یتجلى فی ربط موضوعات عدیدة ثابتة ربطاً خارجیاً، فیتصل الموضوع بالموضوع اتصال التجاور لا اتصال التفاعل. وهذا الاتصال قریب من التناسب. والتناسب مفهوم خارجی جمالی قریب من مفهوم الوحدة، لكنه لیس الوحدة ذاتها. إنه وحدة النسیج أو تناسب الأعضاء بعضها مع بعض، أی وحدة الشكل. التناسب، إذاً، هو الوحدة التی تجمع عناصر ثابتة. الوحدة التی تجعل من القصیدة جسداً، لكنه لا ینمو ولا یتحرك. جسد جمیل، لكنه بلا دماء. وهذا نتیجة للصناعة التی آمن بها ابن طباطبا وإهماله التجربة التی تدفع الدماء الحارة فی جسد القصیدة. هذه الدماء التی تندفع فی الشرایین، فتكیف الشكل الجسدی مما یؤدی إلى نموه نمواً طبیعیاً ذاتیاً داخلیاً. أما أن نصل بین أطراف القصیدة وصلاً خارجیاً، ونربط موضوعاتها بعضها ببعض. فنحن أقرب إلى أن نكون فی غرف التشریح أو العملیات منا إلى أن نكون فی قصیدة تضج بالحیاة.‏

5  وحدة البیت:‏

لم یكن مفهوم وحدة القصیدة واضحاً تمام الوضوح لدى ابن طباطبا؛ فقد یختلط هذا المفهوم، فی "عیار الشعر"، بوحدة البیت نظریاً وتطبیقیاً. وقد مر معنا أن لصناعة الشعر لدیه مرحلتین؛ یهتم، فی المرحلة الأولى، بصناعة البیت، ویهتم، فی الثانیة، بصناعة القصیدة. وهو، فی الأولى، یعد أدواته الشعریة، ثم یبدأ فی صناعة كل بیت، على حدة، فیثبت ما یصنعه من الأبیات دون ترتیب، ویبدو لنا من ذلك أن الشاعر، عنده، یبدأ بنظم الأبیات نظماً تراكمیاً عشوائیاً؛ فالبیت لا یتناسل من الأبیات التی سبقته، ولیس له أیة علاقة بالأبیات التی تلیه سوى علاقة الوزن والقافیة والمعنى. وتبقى فكرة "البیت المفرد حتى فی المرحلة الثانیة التی لا تتعدى الربط بین الأبیات بسلك، فتكون أقرب إلى "عِقد" منها إلى قصیدة. ویظل ابن طباطبا یهتم بالبیت على الرغم من قوله بالتناسب والوحدة، والنماذج البیتیة التی اعتمدها فی تطبیقه تقطع بعجزه عن تصور الوحدة فی حدود أبعد من المقطع الجزئی المستقل بمعناه، والذی لا یكاد یتجاوز البیتین كثیراً. ولا یعدو أن یكون إدراكه للوحدة فی البیت المفرد ذاته، أحیاناً، نوعاً من التلاعب بالألفاظ، أو العلاقات اللفظیة على الأصح، فی شطرین ینتظمهما بیت یستمد وحدته من تقابل بین معنیین اقتضتهما ضرورة القافیة ومنطقها لیس غیر، فی مثل هذا الشاهد الذی التمسه فی شعر البحتری:‏

فإذا حاربوا أذلوا عزیزاً.‏

وقوله: فیقتضی هذا المصراع أن یكون تمامه: "وإذا سالموا أعزوا ذلیلاً"، وهو اقتضاء القافیة، وعلاقة التضاد بین كل من أذل وأعز، وعزیز وذلیل(25). ویعتقد الدكتور عز الدین اسماعیل أننا نفید، فی الحكم على وحدة القصیدة عند ابن طباطبا من النقد الأوروبی الحدیث فی التفریق بین مفهوم القصیدة الطویلة والقصیدة القصیرة؛ فالقصیدة القصیرة تتمثل فی الغنائیة، أی العاطفة الواحدة المحددة، أما القصیدة الطویلة فیلزمها إلى جانب العواطف المفردة المحددة الكثیرة الفكرة العامة التی تسیطر على الجمیع، وتوجهه. فعلى أساس هذا التفریق یرى عز الدین أننا نستطیع أن نتبین أن القصیدة العربیة  كما صورها لنا ابن طباطبا تصویراً مفصلاً  تمثل القصیدة القصیرة. وهو یقول بعد ذلك "إذا شئنا الدقة قلنا: إنها لا تمثل القصیدة القصیرة ولا الطویلة، وإنما الذی یمثل القصیدة القصیرة منها البیت المفرد: ففی هذا البیت تتمثل عادة العاطفة الواحدة المحددة المستقلة. وحینما لا نتمثل فی القصیدة وحدة البیت، تتمثل لنا هذه العاطفة فی بیتین أو بضعة أبیات، على أقصى تقدیر، ولكنها تظل عاطفة واحدة محددة".(26).‏

ونحن لا نسلم بهذه المقارنة غیر العادلة، فقد تصح المقارنة بین وحدة القصیدة عند أرسطو ومثیلتها عند ابن طباطبا، أما أن نستعیر مقیاسین حدیثین: مفهوم القصیدة القصیرة ومفهوم القصیدة الطویلة، من النقد الأوروبی المعاصر، ونحاول تطبیقهما على نقد ابن طباطبا العباسی فإننا نظلم الرجل ونغمطه حقه.‏

إن عز الدین أو غیره من النقاد یستطیع أن یصل إلى ثغرات واسعة فی نقد ابن طباطبا لوحدة القصیدة. أما المعیار الثانی "الغنائیة" فنعتقد أن عز الدین یطلب من ابن طباطبا أمراً مستحیلاً؛ فالغنائیة من طبیعة القصیدة العربیة منذ القدیم، وهذا أمر لا یعیبها من جهة، ولا یطلب من ابن طباطبا تجاوزه من جهة أخرى. صحیح أن ابن طباطبا كان باستطاعته أن یتجاوز نقاد عصره، فیستنبط من بعض الشعر الغنائی العربی الذی عاصره، وحدة فی الشعور والفكرة والموضوع، ولكن أن نطلب منه أن یجتاز غنائیة القصیدة العربیة، فذلك أمر مستحیل. من هنا نستطیع القول: أن بعض الخطأ الذی وقع فیه بعض نقادنا أنهم قارنوا مقارنة تامة بین وحدة القصیدة عند أرسطو ومثیلاتها عند بعض نقادنا القدامى، فطبیعة الشعر الیونانی فی "فن الشعر" تختلف عن طبیعة الشعر العربی، كما یختلف الإنسان الیونانی عن الإنسان العربی، وأرسطو نفسه قد نفى الشعر الغنائی من كتابه وألحقه بفن الموسیقى. ولكن یجب ألا یفهم من كل هذا القول أننا ننكر إمكانیة الاستفادة، فی وحدة القصیدة، من أرسطو، وإنما نرید أن نقول: إن بعض نقادنا لم یفهموا هذه الوحدة كما جاءت فی كتاب: "فن الشعر"، ولم یجیدوا تطبیقها على شعرنا العربی، وذلك لأنهم لم یحسنوا انتقاء النصوص التی تتوافر فیها هذه الوحدة، ووقع هؤلاء فی التجزیئیة حین اختاروا نصوصاً مجزأة الأوصال وقصائد متعددة الموضوعات، فشوهوا وحدة أرسطو، وأخفقوا فی دفع عجلة الشعر العربی إلى الأمام. ومن هؤلاء ابن طباطبا نفسه، ولابد من أن نقول أخیراً: أن وحدة القصیدة التی نادى بها ابن طباطبا تعثرت فی عروض كثیرة من نظریته وفی كثیر من النصوص التی استشهد بها، فبرزت لدیه وحدة البیت حین برزت عواطف كثیرة مسطحة فوضویة، ذات مستوى واحد وبُعد واحد، نتیجة إهماله التجربة واهتمامه الشدید بالصناعة الشعریة وشواهده المجزأة.‏

*هوامش:‏

(1)  هو محمد بن أحمد أبو الحسن العلوی المعروف بابن طباطبا، شیخ من شیوخ الأدب، وشاعر مولده ووفاته بأصبهان. له كتب، منها: "عیار الشعر"، و"تهذیب الطبع"، و"العروض". وأكثر شعره فی الغزل والآداب العامة. توفی سنة 322ه.‏

ینظر فی ترجمته: المرزبانی، معجم الشعراء،  تحقیق عبد الستار أحمد فراج  مصر  دار إحیاء الكتب العربیة  1960م  ص 427، ویاقوت، معجم الأدباء  مصر  مطبعة دار المأمون  1937 م  17/ 143  144، والقفطی، المحمدون من الشعراء  محمد عبد الستار خان أیم  مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانیة بحیدر آباد الدكن  الهند  ط1  1966 م  1/11، والعباسی، معاهد التنصیص  مصر  المطبعة البهیة  1316ه  1/ 179، وبروكلمان، تاریخ الأدب العربی  ترجمة د.عبد الحلیم نجار  دار المعارف بمصر  ط3  1974م  2/ 100.‏

(2)  عیار الشعر  تحقیق د.طه الحاجری، ود.محمد زغلول سلام  مصر  شركة فن الطباعة  1956م  ص 124.‏

(3)  ینظر فی ذلك المصدر السابق  ص 7.‏

(4)  المصدر السابق  ص 126  127.‏

(5)  المصدر السابق  ص 6.‏

(6)  المصدر السابق  ص 78.‏

(7)  المصدر السابق  ص 4  5.‏

(8) ‏ Leumers , Daniel - Préface - Poésies de Mallarmé - le livre de poche - librairiegénérale hrancaise - Paris - 1977. PV.‏

(9)  Ibid...P.VI‏

(10)  یجب أن نشیر هنا إلى أننا لا نقیم مقارنة بین المدرسة الرمزیة، وإلیوت من جهة، وابن طباطبا من جهة ثانیة، فهذا، إن حصل، إجحاف شدید بحق ابن طباطبا الذی له عصره وبیئته المختلفان عن عصر الرمزیة البیئة التی مهدت لنشوئها، فهی ابنة البورجوازیة الأوروبیة التی أخفقت، علىصعید الواقعین الاجتماعی والسیاسی، فی تحقیق طموحاتها، فاتجهت إلى الأدب للتعویض.‏

(11)  عیار الشعر  ص 5  6.‏

(12)  المصدر السابق  ص 5.‏

(13)  من المعروف أن ابن طباطبا شاعر مثلما هو ناقد، ولذلك سنعود إلى قصیدة من قصائده الطویلة، فی دراسة لاحقة، لنبین، من خلالها، ملامح وحدة القصیدة التی نادى بها، وهل استطاع ابن طباطبا الشاعر أن یكون حریصاً على مفهوم "وحدة القصیدة"، كما جاء فی "عیار الشعر" عند ابن طباطبا‏

(14)  ینظر فی ذلك مقاله: "ابن طباطبا ووحدة القصیدة العضویة"  الآداب  س 9  ع 2  شباط 1961م، ص 79.‏

(15)  عباس، د.إحسان  تاریخ النقد الأدبی عند العرب  مطابع دار القلم  بیروت  ط1  1971م  ص 138.‏

(16)  ینظر فی ذلك: عیار الشعر  ص 5.‏

(17)  هنری برغسون (1859  1941). فیلسوف فرنسی معاصر دافع عن الروحانیة ضد هجمات الوضعیة والمادیة، له: "المحاولة فی درس أوضاع الوجدان". و"المادة والذاكرة"، و"التطور الخلاق"، وغیر ذلك.‏

(18)  سنعود، فی دراسة مستقلة قادمة، إلى قصیدة جاهلیة نتبین فیها ملامح البنیة وصفاتها فیها.‏

(19)  سنبین، فی دراسة قادمة، كیف استطاع بعض الفحول من الشعراء العباسیین أن یتقدموا بالشعر على النقد المعاصر لهم أشواطاً بعیدة.‏

(20)  كثرت هذه الظاهرة فی دیوان أبی نواس، تحقیق أحمد عبد المجید الغزالی  بیروت  دار الكتاب العربی 1953م  یقول:‏

دع الأطلال تسفیها الجنوب وتبلی عهد جدتها الخطوب‏

وخل لراكب الوجناء أرضاً تخب بها النجیبة والنجیب.‏

ص11‏

ویقول:‏

حاشا لدرة أن تبنى الخیام لها وأن تروح علیها الإبل والشاء‏

ص7‏

ویقول:‏

أحسن من سیر على ناقة سیر على اللذة مقصور‏

ص15‏

ویقول:‏

بكیت وما أبكی على دمن قفر وما بی من عشق فأبكی من الهجر‏

ص36‏

ویقول:‏

عاج الشقی على رسم یسائله وعجت أسأل عن خمّارة البلد‏

ص46‏

ویقول:‏

دع الربع، ما للربع فیك نصیب وما إن سبتنی زینب وكعوب‏

ص110‏

ویقول:‏

قل لمن یبكی على رسم درس واقفاً ما ضر لو كان جلس‏

ص134‏

ولیكون معلوماً لدینا أن هذا الشاعر وأمثاله ممن ثاروا على منهج القصیدة لم یثوروا على عناصر ذلك المنهج فی القصیدة الجاهلیة، وإنما یثورون على استمرار بعض أجزاء هذا المنهج فی القصیدة العباسیة على الرغم من أن الحیاة المعاصرة ما عادت بحاجة إلى تلك الأجزاء.‏

(21)  عیار الشعر  ص 6  7.‏

(22)  سنعود إلى دراسة تائیته التی قالها فی مدح أبی الحسین محمد بن أحمد بن یحیى بن أبی البغل، وهو من أعیان عصره، وأحد أصدقاء الشاعر، وهی فی "معجم الأدباء"، 17/ 146  149، ومطلعها:‏

یا سیداً دانت له السادات وتتابعت فی فعله الحسنات‏

(23)  ینظر فی ذلك: تاریخ النقد الأدبی عند العرب  ص 138.‏

(24)  ینظر فی ذلك: المرجع السابق  ص 32  33.‏

(25)  ینظر فی ذلك: الشریف، الطیب  ابن طباطبا وحدة القصیدة العضویة  الآداب  ص 78.‏

(26)  الأسس الجمالیة فی النقد العربی  بمصر  مطبعة الاعتماد  ط1  1955م  ص 366.‏
+ درج شده در  چهارشنبه 11 فروردین1389ساعت 4:52 بعد از ظهر  توسط  مـــــتـــــرجــــــم عــــــربـــــي   چاپ این صفحه

ثنائیة الموت والحیاة فی شعر أبی فراس الحمدانی 320 ـ 375هـ ـ 932 ـ 968م ـــ د.أحمد فوزی الهیب

الموت نهایة كل حی مهما طال به البقاء، ولعله الحقیقة الوحیدة التی اتفق علیها الناس جمیعاً رغم اختلاف عقائدهم ومذاهبهم، ورغم اختلافهم على ما بعد الحیاة الدنیا من حیاة أخرویة أو عدم. لذلك نجد الناس جمیعاً یفكرون بالموت بشكل ما، وإن اختلفت نظراتهم إلیه، واختلفت حیواتهم بناء على ذلك، لأنه ـ كما یقول الدكتور بیتر شتاینكرون ـ غریزة كامنة فی أعماق النفس الإنسانیة، كغریزة الحیاة سواء بسواء، فكل واحد منا لدی فی فطرته الغریزتان، وإن كانت غریزة الحیاة واضحة ظاهرة الأثر فی حركاتنا وسكناتنا، بینما الغریزة الأخرى، غریزة الموت، لا تظهر واضحة جلیة إلا لمن أمعن النظر، ولم تخدعه ظواهر الأمور([1">).

وكأن الغریزتین المتضادتین جوادان، أحدهما أبیض ناصع البیاض، والآخر أسود حالك السواد، یتنازعان المرء شداً وجذباً، ولكن الجواد الأبیض یظل فی الغالب فیاض الحیویة، له الكلمة العلیا إلى أن یُغلب على أمره، فینطفئ سراج الحیاة، وتكون الكلمة للجواد الأسود، ولكن یحدث أحیاناً أن تنعكس تلك الآیة تحت ضغط بعض الظروف، فإذا الجواد الأسود هو الغالب منذ البدایة، فینتشر على وجه الحیاة ظل الموت ویندفع المرء فی تیاره([2">).

وعلماء النفس الیوم یعترفون بهذا الازدواج، وإن كان الإنسان العادی یجهل ذلك الوجود المزدوج لغریزتی الموت والحیاة، فهذا فروید یقول بصراحة ووضوح: غایة الحیاة هی الموت. ثم نراه یقرر أیضاً: أن كل إنسان لدیه دافع إلى إعدام نفسه، ولكن هذا الدافع یختلف فی مقداره وقوته باختلاف الأشخاص([3">). وهذا أیضاً تلمیذه وصدیقه (هانز ساخس) یقول أیضاً: إن جمیع مظاهر الحیاة هی نتیجة ذلك التجاذب الذی لا نهایة له بین غریزة الحیاة بانتصاراتها الظاهرة وغریزة الموت بقوتها الساكنة الخفیة التی لا تقهر([4">).

وقوة البقاء التی تلازمنا منذ ولادتنا، غالباً ما تكون من السطوة، بحیث تشل حركة الغریزة المضادة لها، فتبقیها نائمة معطلة. ولكن یحدث فی بعض الأحیان أن تكون قوة الهلاك أشد فی الشخص من قوة البقاء، فینجم عن ذلك ما یمكن أن نسمیه مغامرة أو تهوراً أو مخاطرة أو غیر ذلك، ونصف صاحبها بأنه مغامر أو متهور أو مخاطر، بینما یسمی ذلك فروید غریزة الفناء([5">).

ولعلنا نستطیع اعتماداً على هذه النظریّة أن نفهم بصورة أوضح تحریم الله تعالى للانتحار تحریماً شدیداً على الرغم من إباحته للشهادة بل تشجیعه علیها، لأنها فی سبیل مثل أعلى كالدفاع عن الوطن والأهل وغیر ذلك.

ولعل هذه النظریة تنطبق بشكل ما على أبی فراس الحمدانی([6">)، أو لعله یمثلها خیر تمثیل، إذ نجده والموت رفیقین صدیقین حمیمین، تصاحبا قبل الولادة، وبُعیدها، وبعدها، وظلاّ معاً إلى أن تمكن الحصان الأسود فی داخله أن یسبق الحصان الأبیض، وأن یسدل الستار على مأساة حیاته.

عرف أبو فراس الموت قبل ولادته، إذ ورثه فی صبغیاته (كروموزوناته) من قبیلة تغلب ذات الأمجاد الخالدة التی تمتد جذورها إلى الجاهلیة، حتى قیل: لو أبطأ الإسلام لأكلت بنو تغلب الناس([7">). ومن منا لم یسمع بحرب البسوس بینها وبین بكر، التی استمرت أربعین سنة تأكل الأخضر والیابس وتحصد الرجال([8">)، ومن لم یسمع بأبطالها وشعرائها مثل المهلهل وكلیب وعمرو بن كلثوم وأبیه([9">). وعلى الرغم من خفوت صوت تغلب فی بدایة الإسلام، فقد استرجعته زمن الأمویین، إذ نجده مدویاً لدى كعب بن جعیل والأخطل وأشعارهما([10">). كما نجده أیضاً فی صلیل سیوف الحروب الضاریة بین تغلب وقیس([11">).

وفی زمن الدولة العباسیة ازداد صوت تغلب علواً، لأنه صار یمثل التیار العربی الصافی بین أمواج السیول الأعجمیة الهادرة فی القرن الرابع الهجری، وقد استطاع بنو حمدان التغلبیون أن یبلوا بلاء حسناً فی مساندتهم للخلافة العباسیة حتى تدافع عن نفسها وعن العرب والإسلام ضد الثورات والمؤامرات الداخلیة، وضد الروم وغیرهم من الخارج، وكان فی مقدمتهم سیف الدولة وأخوه ناصر الدولة وأبو فراس([12">).

رأى الحمدانیون أنهم یمثلون العنصر العربی، وأن السبیل لبقائهم هو المجد والبأس والجود وغیرها من المثل العربیة العلیا، ولقد عبر عن ذلك أبو فراس بقوله([13">):

لئن خُلق الأنام لحسْوِ كأسٍ               ومزمار وطنبور وعودِ

فلم یُخلق بنو حمدانَ إلا                              لمجد أو لباس أو لجودِ

هذا ما یخص قبیلة أبی فراس تغلب وبنی حمدان، أما هو نفسه والموت، فقد كانا صدیقین حمیمین منذ البدایة حتى النهایة، لم یفترقا أبداً. فقد شاء القدر أن یسمیه أبوه (الحارثَ)، وأن یُكَنِّیه (بأبی فراس)([14">)، والاسم اسم الأسد([15">)، والكنیة كنیته([16">)، ولكل من اسمه نصیب عامة، لذلك أثر كل من الاسم والكنیة فی حیاته، ولو بصورة غیر مباشرة، تأثیراً كبیراً شجاعة وبسالة وإباء.

كما شاء القدر أیضاً أن یُقتل أبوه، وهو صغیر فی الثالثة من عمره. ومقتل أبیه مأساة مركبة معقدة،لأن قاتله هو ابن أخیه ناصر الدولة، والذی هو فی الوقت نفسه ابن عم أبی فراس، وأخ لولیه ومربیه وولی نعمته وزوج أخته سیف الدولة([17">). إن مقتل أبیه شوكة فی خاصرته ظلت تؤلمه حتى نهایة عمره، إنه لم یستطع نزعها بأن یأخذ بثأره، ولم یستطع أن یشكو أو یتأوه، بل لم یكن یملك إلا أن یقدم آیات الطاعة والتبجیل لقاتل أبیه عندما كانا یجتمعان فی بلاط سیف الدولة بحلب، یدفعه إلى ذلك ولاؤه لولی نعمته سیف الدولة، وولاؤه لأهله الحمدانیین. وهذه المعاناة تركت فی نفسه جراحاً لا یستطیع لها برءاً، وتمزقاً لا یمكن رتقه، وداء لا شفاء منه حتى الموت.

نشأ أبو فراس على الفروسیة فی بلاط سیف الدولة بحلب، بعدما انتقل إلیه من الموصل إثر مقتل أبیه، وتعلم فنون القتال والعلم والأدب وغیر ذلك من صفات الإمارة والفروسیة فیه، ثم ولاه سیف الدولة إمارة منبج عام 336هـ([18">)، وكانت آنذاك ثغراً عربیاً یقف سداً منیعاً فی وجه غارات الروم وأطماعهم من جهة، وثورات الأعراب مثل بنی كلیب وكلاب وقشیر وكعب من جهة ثانیة، واستمر على هذه الحال إلى أن أُسر عام 351هـ أو غیره، وقد اختلف المؤرخون فی ذلك، ولتحقیقه مجال آخر([19">).

استطاع أبو فراس أن یقوم بما تفرضه علیه واجبات الإمارة خیر قیام، فكان دائماً على أهبة الاستعداد لتلبیة ما یطلبه منه سیف الدولة من مهمات لقتال الروم أو الإعراب، ولم یكتف فی حروبه هذه بأن یبلی البلاء الحسن، وإنما نجد غریزة الموت أو غلّوه فی الشجاعة یدفعه إلى أن یتجاوز مرات كثیرة حدود ما تطلبه منه واجبات الإمارة من مواقف، فیخاطر بنفسه، ویعرضَها للهلاك المرة تلو المرة، الأمر الذی أدى إلى وقوعه أسیراً بید الروم، ویؤكد هذا كلام سیف الدولة لأم أبی فراس عندما طلبت منه افتداءه من الأسر، وهو: ولدك ابن عم، وخال أولادی، ولكنی عجزت وأنا أنصحه ألا یترك بنفسه إلى المیدان عند وقوع الحرب، لأنه أمیر سردار (قائد)، ولیس للسردار شجاعة إلا بثباته تحت علمه، وقد فدیته قبل هذا مرتین([20">).

استمر أبو فراس فی الأسر، حتى افتداه سیف الدولة عام 355هـ، وفی فترة أسره لم یبتعد عن الموت، إنما كان یشعر به،  ویتغنى بذكره كل یوم تغنی الحبیب بحبیبه من أول أیام أسره حتى آخرها، فقال فی بدایة أسره([21">):

من كان مثلی لم یبتْ           إلا أسیراً أو أمیرا

لیست تحلُّ سراتُنا               إلا الصدور أو القبورا

وقال أیضاً مخاطباً سیف الدولة بصورة غیر مباشرة([22">):

معللتی بالوصل والموتُ دونَهُ              إذا متُّ ظمآناً فلا نزل القطرُ

فقلت كما شاءت وشاء لها الهوى                  قتیلك قالت أیهم فهمُ كثر

ویا ربَّ دار لم تخفنی منیعةٍ                طلعتُ علیها بالردى أنا والفجر

وهل یتجافى عنّیَ الموت ساعة             إذا ما تجافى عنّیَ الأسر والضر

هو الموت فاختر ما علا لك ذكره                  فلم یمت الإنسان ما حیی الذكر

وإن متُّ فالإنسان لا بد میّتٌ             وإن طالت الأیام وانفسح العمر

ونحْن أناس لا توسط بیننا                 لنا الصدور دون العالمین أو القبر

إن اللافت للنظر مما تقدم أنه لم یخل بیت من ذكره للموت مرةً أو أكثر، وكأنه فرس جموح كامن فی اللاشعور لدیه، فهل یؤكد ذلك صحة الفرضیة التی ذهبنا إلیها، لأن من أحب شیئاً أكثر من ذكره، وهذه حقیقة لا جدال فیها فی علم النفس. كما قال أیضاً فی رثائه لأمه عندما أتاه خبر موتها وهو فی الأسر([23">):

نُسلَّى عنك أنّا عن قلیل                   إلى ما صرت فی الأخرى نصیرُ

ولم یجعله الأسر یغیر من منهج حیاته بعدما افتداه سیف الدولة، وعیّنه أمیراً على حمص وأعمالها، وأنّى له ذلك!!.. لقد استمر فی اندفاعه نحو الموت كأن شیئاً لم یكن، تدفعه إلیه تلك القوة الغاشمة الخفیة الكامنة فی لا شعوره، والتی كانت تدفعه إلیه قبل أسره، لذلك نجده بعد موت سیف الدولة عام 356هـ([24">)، واستلام ابنه الیافع أبی المعالی سعد الدولة لإمارة حلب([25">)، نجده یتابع سیره فی طریقه الآنفة الذكر بخطى حثیثة، وقد ساعده فی ذلك أن سعد الدولة لم یستطع أن یملأ الفراغ الذی خلّفه والد سیف الدولة بموته([26">)، والذی كان من الممكن أن یملأه أبو فراس، فتوجه سعد الدولة إلیه فی حمص بعد خلاف بینهما، أشعل ناره (قرغویه) غلام سیف الدولة خوفاً من أبی فراس ورغبة منه فی أن یكون الرجل الأول فی حلب، فانحاز أبو فراس إلى بلدة (صدد)([27">)، ونزل سعد الدولة بسلمیة([28">)، وأرسل إلیه قائده قرغویه مع غلمان أبیه وجمعٍ من بن كلاب، فخرج إلیهم أبو فراس، وكان قتال انتهى بمقتله یوم الأربعاء الثامن من جمادى الأولى سنة سبع وخمسین وثلاثمئة، فنزل قرغویه فاحتز رأسه، وحمله إلى سعد الدولة، فشُقَّ علیه لأنه لم یرد ذلك، وبقیت جثة أبی فراس مطروحة بالبریة، حتى كفنه أعرابی ودفنه([29">).

إن هذه النهایة المأساویة المفجعة، تبدو وكأنه كان یتوقعها، ویراها نصب عینیه، ویندفع إلیها اندفاعاً غریزیاً قاهراً لا یملك له رداً، لذلك نجده من قبلُ قد نعى نفسه إلى ابنته، وأوصاها بالصبر، وأن تلتزم بسترها وحجابها عندما تنوح علیه، وان تندبه بأنه لم یُمتّع بالشباب مع أنه زین الشباب، وذلك فی قوله([30">):

أبنیّتی لا تجزعی                  كلُّ الأنام إلى ذهابِ

أبنیّتی صبراً جمیـ               لاً للجلیل من المصاب

نوحی علیّ بحسرة               من خلف سترك الحجاب

قولی إذا نادیتنی                  ووعیتُ عن رد الجواب

زین الشباب أبو فرا             س لم یُمتّع بالشباب

وإذا كان الموت واحداً مهما تعددت أسبابه، فإن أبا فراس قد نظر إلیه من زوایا متعددة، وتحدث عنه أحادیث اتفقت مع هذه الزوایا، ولا غرو فی ذلك، فهو من بنی حمدان الذین رآهم لم یُخلقوا كغیرهم، وإنما خُلقوا للمجد والبأس والجود كما مرّ آنفاً، وهذه الغایات التی خلقوا لها، لیس لها سوى الموت طریقاً، الموت لأعدائهم مكللاً بالذل والعار، والموت لهم مكللاً فی الأول والآخر بالمكرمات والعز، قال([31">):

لنا أولٌ فی المكرمات وآخرُ                وباطنُ مجدٍ تغلبیٍّ وظاهرُ

وهم لا یرضون إلا بواحد من اثنین، لا ثالث لهما، الصدر أو القبر، قال([32">):

ونحْن أناس لا توسط بیننا                 لنا الصدر دون العالمین أو القبرُ

وأن نفوسهم قد هانت فی طلب المعالی، كما قال([33">):

تهون علینا فی المعالی نفوسنا               ومن خطب الحسناء لم یُغْلها المهرُ

إنهم لا یهابون الموت، بل یرحبون به، ویستضیفونه ضیفاً عزیزاً لدیهم، قال([34">):

وفتیانُ صدقٍ من غطاریف وائلٍ           إذا قیل: ركب الموت، قالوا لـه: انزلِ

ودأبهم أیضاً أمران أو دمان اثنان، لا ثالث لهما، دم الرجال للأعداء، ودم الجمال للضیفان، قال([35">)

لِلِقا العد بیضُ السیو            فِ وللندى حمرُ النَّعمْ

هذا وهذا دأبُنا                  یُودى دمٌ، ویُراق دمْ

وقال أیضاً مفتخراً بوالده وأعمامه([36">):

أولئك أعمامی ووالدیَ الذی              حمى جنباتِ المُلك والمُلك شاغرُ

له بِسُلَیمٍ وقفة جاهلیة                      تقرُّ بها فَیْدٌ وتشهد حاجرُ

فلم ترَ إلا فالقاً هام فیلق                  وبحراً لـه تحت العجاجة ماخِرُ

وافتخر أیضاً بعمه الحسین بن حمدان الذی قتل الوزیر العباس بن المعتضدی وفاتكاً([37">)، قال:

وعمِّیْ الذی أردى الوزیر وفاتكاً          وما الفارس الفتاك إلا المجاهرُ

أذاقهما كاس الحمام مُشیَّعٌ                مشاورُ غارات الزمان مُساور

وافتخر أیضاً بعم آخر له هو سلیمان بن حمدان الملقب بالحرون لعظمته بالحرب، فقال([38">):

وعمی الحرون عند كل كتیبة             تخفُّ جبال وهْو للموت صابرُ

واللافت للنظر فی فخره خاصة، وفی شعره عامة، ذلك الإلحاح الشدید على الموت، وما یؤدی إلیه. ولعل هذا یدل ـ فیما یدل ـ على قوة غریزة الموت الكامنة فی لا شعوره وأعماقه وطغیانها. وربَّ معترض یقول: إن كثیراً من الشعراء ذكروا الموت. فنقول: المقصود هو كثرة ذكر الموت، لا ذكره فقط، تلك الكثرة التی زادت عن الخمسین مرة فی دیوانه الذی لا یعد كبیراً إذا ما قیس بغیره من دواوین أمثاله، هی التی مازت الشاعر عن سواه. وإذا وجدنا ـ ولا بد أننا واجدون ـ شعراء آخرین أكثروا من ذكر الموت، فما الذی یمنع من أن یكونوا كأبی فراس فی طغیان غریزة الموت لدیهم وعنفوانها، وأن یسبق حصانها الأسود حصان الحیاة الأبیض عندهم، كما سبقها لدى أبی فراس.

كل ذلك دفعه إلى أن یموت میتة الرجال الكاملی الرجولة الأبطال، فقال([39">):

فإنْ عشنا ذخرناها لأُخرى                وإن متنا فموتات الرجال

ولا بد من أن نتوقف عند هذا البیت ملیاً، وبخاصة عند شطره الأول الذی یؤكد ما ذهبنا إلیه من أن غایته قد كانت الموت، ولیست النجاة التی لا تعدو أن تكون ذخراً ووسیلة توصله إلى موت قادم قریب وسریع.

ولم یناقض فعلُ أبی فراس قولَه، فقد خاض الحروب بشجاعة نادرة، بلا ترس ولا درع، لیس معه سوى سیفه ویده وقلبه، قال([40">):

حملتُ على ورود الموت نفسی            وقلت لعصبتی موتوا كراما

وعذْتُ بصارم وید وقلب                 حمانی أن أُلام وأن أُضاما

ولم أبذل لخوفهمُ مِجّناً                     ولم ألبس حذار الموت لاما

كما وجد أیضاً فی بذل النفس جوداً یفوق الجود بالمال، وشتان ما بینهما، قال([41">):

وندعو كریماً من یجود بماله                ومن یبذل النفس الكریمة أكرمُ

لذلك اتخذ الحرب طعاماً له وشراباً باع فی سبیلها صباه، قال([42">):

فلا تصفنَّ الحرب عندی فإنها              طعامیَ مذْ بعت الصبا وشرابی

ولم یجد فی الموت شراباً فقط، وإنما وجده شراباً عذباً سائغاً لذة للشاربین([43">):

قد عذب الموت بأفواهنا                   والموت خیر من مقام الذلیلِ

كما كان یرى الموت یملأ ما بین المشرقین أمامه، ویرى المعایب خلفه، وهی أصعب عنده من الموت، لذلك خاضه غیر هیّاب ولا وجل، قال([44">):

أرى ملء عینیَّ الردى فأخوضه            إذا الموت قدامی وخلفی المعایبُ

ولم یكتف أبو فراس بذلك، بل نجده قد حل فی السیف، أو حل السیف فیه، وأصبحا معاً كیاناً واحداً، یذكرنا، لولا صرامته وشدته، بنظریة الحلول عند المتصوفة، ولا شك فی أن لهذا دلالاته فیما ذهبنا إلیه، قال([45">):

یا ضاربَ الجیش بی فی وسْط مفرقه                لقد ضربت بعین الصارم العَضُبِ

كما نجده قد توحد أیضاً مع الترس فضلاً عن توحده مع السیف ومع قومه، قال([46">):

وإن حاربوا كنتُ المجنَّ أمامهم            وإن ضاربوا كنت المهند والیدا

وإنه لم یكن یرضى بهزیمة أعدائه، وإنما أوجب على نفسه أن یجعلهم بین قتیل أو أسیر، قال([47">):

فبین قتیل بالدماء مضّرجٍ                  وبین أسیر فی الحدید مكّبلِ

هذه الشجاعة الباسلة والاندفاع الشدید نحو الموت المرةَ تلو المرة جعلت قومه یلومونه على ذلك، ولكنه لم یسمع كلامهم، قال([48">):

أُلامُ على التعرّض للمنایا                  ولی سمعٌ أصمُّ عن الملام

ولعل الذی شجع أبا فراس على ذلك أنه أدرك أن الموت ذو سطوة لا تُرد، ومیعاد لا یُخلف، لا ینفع معه حرص ولا حیلة، فإذا جاء أجلهم لا یستأخرون ساعة ولا یستقدمون، كما قال الله تعالى، قال([49">)::

وإذا المنیة أقبلت لم یثْنها                  حرص الحریص وحیلةُ المحتالِ([50">)

وأنه نهایة كل حی، یتساوى لدیه الأحیاء جمیعاً، قال([51">):

بنو الدنیا إذا ماتوا سواءٌ                  ولو عَمَرَ المعَّمرُ ألف عام

كما أنه (أی الموت) أیضاً لا یفارق الإنسان أبداً، قال([52">):

فمؤجَّلٌ یلقى الردى فی أهله               ومعجَّلٌ یلقى الردى فی نفسهِ

إن أبا فراس كان یرى الموت قتلاً النهایة الحتمیة الوحیدة التی لا مفر منها له ولجمیع الكرام الصید أمثاله، قال([53">):

ولئن قُتلتُ فإنما                  موت الكرام الصید قتلا

وأنّ له أجلاً مسمى لا یتقدم ولا یتأخر، قال([54">):

فإنْ أهلَكْ فعنْ أجلٍ مسمّى                سیأتینی ولو ما بینكنّهْ

ویعتقد أن الإنسان إذا لم یستطع الخلود جسداً، فإنه یستطیعه ذكراً خالداً یخلده بعد موته إلى أبد الآبدین بطولة وكرماً ومروءة ونبلاً ومثلاً، قال([55">):

هو الموت فاختر ما علا لك ذكرهُ                  فلم یمت الإنسان ما حیی الذكرُ

ولا بد فی قوله هذا أن یستوقفنا أسلوب القصر فی أوله (هو الموت) وما فیه من إیحاءات، منها أنه لا یوجد أمام الإنسان مهما طال به العمر أو تعددت به السبل أو طاب له العیش أو غیر ذلك، نقول: لا یوجد أمامه سوى الموت یرقبه وینتظره، كما قال طرفة بن العبد من قبل([56">):

لعمرك إنَّ الموت ما أخطأ الفتى            لكالطِّوَلِ المُرْخى وثِنْیاهُ بالیدِ

إن أبا فراس فی بطولاته وتحدیه للموت أراد أن یضع نفسه الموضع اللائق بها، فالإنسان حیث یجعل نفسه عزاً أو ذلاً، قال([57">):

وما المرء إلا حیث یجعل نفسه             وإنی لها فوق السماكین جاعلُ

ولقد أكد ذلك مرة أخرى لسیف الدولة حیث قال([58">):

ولا أعود برمحی غیر منحطم               ولا أروح بسیفی غیر مختضبِ

حتى تقول لك الأعداء راغمة              أضحى ابن عمك هذا فارسَ العربِ

هكذا كان موقف الشاعر من الموت موقف شجاع راكض إلى حتفه ركضاً لاهثاً سریعاً متكرراً لا یعرف راحة أو بطئاً. ورب قائل یقول: إذا كان الأمر كذلك، فلماذا كان فی أسره یطل بالفداء ویلح فیه؟. إنه طلب فداءه وألح فی ذلك لا خوفاً ولا جبناً، وإنما كان یأنف أن یموت أسیراً كما یموت الجبناء، ولأنه أراد أن یهرب من موت لا عَناء ولا عزة فیه إلى موت عزیز فی ظلال السیوف كما یموت الأبطال المیامین، ونجد ذلك فی قوله لسیف الدولة([59">):

أنادیكَ لا أنی أخاف من الردى           ولا أرتجی تأخیر یومٍ إلى غدِ

ولكن أنفتُ الموت فی دار غربة            بأیدی النصارى الغُلْفِ میتة أكمدِ

ویرید بالنصارى هنا الروم. ولأنه أیضاً كان یرید العود إلى أمه العجوز لیبرها ویدفع عنها الضیم، قال([60">):

لولا العجوز بمنبجٍ               ما خفتُ أسباب المنیهْ

ولكان لی عما سألـ            ـتُ من الفدا نفس أبیّه

لكن أردتُ مرادها               ولو انجذبتُ على الدنیّه

وأرى محاماتی علیـ             ـها أن تُضامَ من الحمیّه

أمست بمنبجَ حُرةٌ                بالحزن من بعدی حَرِیّه

ورب قائل أیضاً یقول: لماذا اختار أبو فراس الأسر على الموت؟. فنجده قد أجابه أبو فراس على تساؤله هذا من قبل، وهو أنه القدر الذی لا یُرد، فی قوله([61">):

أُسرتُ وما صحبی بعزْل لدى الوغى                ولا فرسی مُهرٌ ولا ربُّهُ غَمْرُ

ولكنْ إذا حُمَّ القضاء على امرئ                      فلیس لـه برٌّ یقیه ولا بحر

ولا شك فی أنه كان یرى الفرار أمام الأعداء أشد من الموت وعاراً كبیراً لا یمكن قبوله، ونجد ذلك فی قوله([62">):

ولما لم أجد إلا فراراً             أشدَّ من المنیة أو حِماما

حملتُ على ورود الموت نفسی            وقلت لعصبتی موتوا كراما

وعذْتُ بصارم وید وقلب                 حمانی أن أُلام وأن أُضاما

وهكذا ظفر أبو فراس بالموت، عانقه عناق الحبیب لحبیبه، بعدما ظل یطلبه طوال عمره، ومنذ یفاعته، طلباً حثیثاً، تدفعه إلیه قوة كامنة عمیقة كاسرة لا تقهر، ولا تعرف كللاً ولا مللاً، حتى ظفر بالموت ظفراً مشرفاً شجاعاً ـ كما كان یرید ـ بضربة سیف أعجمی جبان غادر، بید أن هذه القوة الهادرة القاهرة التی كانت تكمن فی صبغیاته، وتندفع من قلبه الشجاع وروحه الأبیة كالحصان الأدهم الجموح فی صبغیاته، قد لقیت التشجیع كله من قناعته التی لم تعرف التردد، وإرادته التی لم تعرف إلا القوة، فاجتمع ذلك كله، ودفعه بشجاعة نادرة إلى حیاض الموت وعشق المثل الأعلى وخلود الذكر وسیرورة الاسم والأخبار والأشعار عبر القرون، تتناقلها الأجیال العربیة سیرة خالدة ومثالاً یُحتذى جیلاً إثر جیل.

المصادر والمراجع

ـ إعلام النبلاء بتاریخ حلب الشهباء، محمد راغب الطباخ، تصحیح محمد كمال، دار القلم، حلب 1988.

ـ دیوان أبی فارس الحمدانی، دار صادر، بیروت 1990.

ـ دیوان الهذلیین، الدار القومیة للطباعة والنشر، القاهرة 1965.

ـ زبدة الحلب، ابن العدیم، ت: سهیل زكار، دار الكتاب العربی، دمشق 1997.

ـ شرح القصائد السبع الطوال الجاهلیات، ابن الأنباری، ت عبد السلام هارون، القاهرة 1963.

ـ العصر الإسلامی، شوقی ضیف، دار المعارف، القاهرة 1963.

ـ العصر الجاهلی، شوقی ضیف، دار المعارف، القاهرة 1965.

ـ عصر الدول والإمارات (مصر والشام)، شوقی ضیف، دار المعارف، القاهرة 1984.

ـ لا تقتل نفسك، بیتر شتاینكرون، ت: نظمی راشد، دار الهلال، القاهرة، بلا تاریخ.

ـ وفیات الأعیان، ابن خلكان، ت: إحسان عباس، دار صادر، بیروت 1969.

________________________________________

([1">)  لا تقتل نفسك ص 7.

([2">)  المرجع نفسه.

([3">)  المرجع نفسه ص 10.

([4">)  المرجع نفسه ص 7 ـ 8.

([5">)  المرجع نفسه ص 16.

([6">)  هو الحارث بن سعید بن حمدان (320 ـ 357هـ = 932 ـ 968م) أمیر شاعر فارس، ابن عم سیف الدولة الحمدانی أمیر حلب، له دیوان شعر، أشهره الرومیات، وهی قصائد ممیزة، قالها وهو أسیر لدى الروم. (وفیات الأعیان 2/58).

([7">)  شرح القصائد السبع الطوال الجاهلیات ص 369.

([8">)  العصر الأهلی ص 66.

([9">)  شرح القصائد السبع الطوال الجاهلیات ص 371، العصر الجاهلی 65 ـ 66.

([10">)  العصر الإسلامی من 258 وما بعدها.

([11">)  المرجع نفسه ص 261 ـ 262.

([12">)  عصر الدول والإمارات، مصر والشام ص 505 وما بعدها.

([13">)  دیوان أبی فراس ص 97.

([14">)  وفیات الأعیان 2/58.

([15">)  القاموس المحیط باب الثاء فصل الحاء.

([16">)  المصدر نفسه، باب السین فصل الفاء.

([17">)  وفیات الأعیان 2/61.

([18">)  زبدة الحلب 1/119.

([19">)  انظر على سبیل المثال وفیات الأعیان 2/59 وإعلام النبلاء 4/48.

([20">)  أخبار الدول للقرمانی ص 265.

([21">)  دیوان أبی فراس ص 156.

([22">)  المصدر نفسه ص 157 ـ 161.

([23">)  المصدر نفسه ص 163.

([24">)  زبدة الحلب 2/144.

([25">)  المصدر نفسه

([26">)  المصدر نفسه 1/149 وما بعدها.

([27">)  تقع جنوب شرق حمص،وتبعد عنها ستین كیلو متراً تقریباً.

([28">)  بلدة شهیرة قرب حمص أیضاً.

([29">)  وفیات الأعیان 2/61.

([30">)  دیوان أبی فراس ص 55.

([31">)  المصدر نفسه ص 107.

([32">)  المصدر نفسه ص 161.

([33">)  المصدر نفسه.

([34">)  المصدر نفسه ص 212.

([35">)  المصدر نفسه ص 254.

([36">)  المصدر نفسه ص 111.

([37">)  المصدر نفسه ص 108.

([38">)  المصدر نفسه ص 110.

([39">)  المصدر نفسه ص 210.

([40">)  المصدر نفسه ص 266.

([41">)  المصدر نفسه ص 281.

([42">)  المصدر نفسه ص 33.

([43">)  المصدر نفسه ص 246.

([44">)  المصدر نفسه ص 36.

([45">)  المصدر نفسه ص 52.

([46">)  المصدر نفسه ص 90.

([47">)  المصدر نفسه ص 213.

([48">)  المصدر نفسه ص 276.

([49">)  المصدر نفسه ص 223.

([50">)  قوله هذا یذكر بقول أبی ذؤیب الهذلی:

وإذا المنیة أنشبت أظفارها                 ألفیت كل تمیمة لا تنفعُ

(دیوان الهذلیین 3)

([51">)  دیوان أبی فراس 276.

([52">)  المصدر نفسه ص 175.

([53">)  المصدر نفسه 240.

([54">)  المصدر نفسه ص 292.

([55">)  المصدر نفسه ص 160.

([56">)  شرح القصائد السبع الجاهلیات 201.

([57">)  دیوان أبی فراس ص 219.

([58">)   المصدر نفسه ص 52.

([59">)  المصدر نفسه ص83.

([60">)  المصدر نفسه ص 317.

([61">)  المصدر نفسه ص 160.

([62">)  المصدر نفسه ص 266.

+ درج شده در  چهارشنبه 11 فروردین1389ساعت 4:51 بعد از ظهر  توسط  مـــــتـــــرجــــــم عــــــربـــــي   چاپ این صفحه

شعر المدیح النبوی فی الأدب العربی - الدكتور جمیل حمداوی

1- مفهوم المدیح النبوی:


المدیح النبوی هو ذلك الشعر الذی ینصب على مدح النبی صلى الله علیه وسلم بتعداد صفاته الخلقیة والخلقیة وإظهار الشوق لرؤیته وزیارة قبره والأماكن المقدسة التی ترتبط بحیاة الرسول صلى الله علیه وسلم ، مع ذكر معجزاته المادیة والمعنویة ونظم سیرته شعرا والإشادة بغزواته وصفاته المثلى والصلاة علیه تقدیرا وتعظیما.

ویُظهر الشاعر المادح فی هذا النوع من الشعر الدینی تقصیره فی أداء واجباته الدینیة والدنیویة، ویذكر عیوبه وزلاته المشینة وكثرة ذنوبه فی الدنیا، مناجیا الله بصدق وخوف مستعطفا إیاه طالبا منه التوبة والمغفرة. وینتقل بعد ذلك إلى الرسول  صلى الله علیه وسلم طامعا فی وساطته وشفاعته یوم القیامة. وغالبا ما یتداخل المدیح النبوی مع قصائد التصوف وقصائد المولد النبوی التی تسمى بالمولدیات.

وتعرف المدائح النبویة كما یقول الدكتور زكی مبارك بأنها فن: "من فنون الشعر التی أذاعها التصوف، فهی لون من التعبیر عن العواطف الدینیة، وباب من الأدب الرفیع؛ لأنها لا تصدر إلا عن قلوب مفعمة بالصدق والإخلاص".

ومن المعهود أن هذا المدح النبوی الخالص لا یشبه ذلك المدح الذی كان یسمى بالمدح التكسبی أو مدح التملق الموجه إلى السلاطین والأمراء والوزراء، وإنما هذا المدح خاص بأفضل خلق ألا وهو محمد صلى الله علیه وسلم ویتسم بالصدق والمحبة والوفاء والإخلاص والتضحیة والانغماس فی التجربة العرفانیة والعشق الروحانی اللدنی.

2- ظهور المدیح النبوی:

ظهر المدیح النبوی فی المشرق العربی مبكرا مع مولد الرسول صلى الله علیه وسلم ، وأذیع بعد ذلك مع انطلاق الدعوة الإسلامیة وشعر الفتوحات الإسلامیة إلى أن ارتبط بالشعر الصوفی مع ابن الفارض والشریف الرضی. ولكن هذا المدیح النبوی لم ینتعش ویزدهر ویترك بصماته إلا مع الشعراء المتأخرین وخاصة مع الشاعر البوصیری فی القرن السابع الهجری الذی عارضه كثیر من الشعراء الذین جایلوه أو جاؤا بعده. ولاننسى فی هذا المضمار الشعراء المغاربة والأندلسیین الذین كان لهم باع كبیر فی المدیح النبوی منذ الدولة المرینیة.

وهناك اختلاف بین الباحثین حول نشأة المدیح النبوی، فهناك من یقول بأنه إبداع شعری قدیم ظهر فی المشرق العربی مع الدعوة النبویة والفتوحات الإسلامیة مع حسان بن ثابت وكعب بن مالك وكعب بن زهیر وعبد الله بن رواحة.

وهناك من یذهب إلى أن هذا المدیح فن مستحدث لم یظهر إلا فی القرن السابع الهجری مع البوصیری وابن دقیق العید.

2- مرجعیات المدیح النبوی:

قبل التغلغل فی أعماق شعر المدیح النبوی لابد أن نستقرىء المرجعیات التناصیة المباشرة وغیر المباشرة التی شكلت رؤیة شعراء هذا الفن وخاصة فی القدیم والحدیث، ولا بد من تحدید المتناص أو المصادر الشعریة القدیمة والحدیثة التی اعتمد علیها الشعراء فی نظم قصائدهم النبویة. فتبیان المعرفة الخلفیة ضروریة لفهم النص الشعری قصد خلق انسجامه واتساقه، لأنه بمثابة آلیة إستراتیجیة فی تحلیل النص الأدبی وتفكیكه.

ویتضح بعد قراءة قصائد ودواوین المدیح النبوی عبر تعاقبه التاریخی والفنی أنه كان یستوحی مادته الإبداعیة ورؤیته الإسلامیة من القرآن الكریم أولا فالسنة النبویة الشریفة ثانیا. كما أن هناك مصدرا مهما فی نسج قصائد المدیح النبوی یتمثل فی كتب التفسیر التی فصلت حیاة الرسول صلى الله علیه وسلم تفصیلا كبیرا كما یظهر ذلك جلیا فی تفسیر ابن كثیر على سبیل التمثیل، بله عن كتب السیرة التی تتمثل فی مجموعة من الوثائق والمصنفات التی كتبت حول سیرة الرسول صلى الله علیه وسلم سواء أكانت قدیمة أم حدیثة وأذكر على سبیل المثال: "السیرة النبویة" لابن هشام، وسیرة ابن اسحق و"الرحیق المختوم" لصفی الرحمن، و"السیرة النبویة"لأبی الحسن الندوی، و" السیرة النبویة" لابن حبان، و" الوفاء بأحوال المصطفى" لأبی الفرج عبد الرحمن الجوزی، و"الشفا بتعریف حقوق المصطفى" للقاضی عیاض، و"فقه السیرة" لسعید البوطی، و"فقه السیرة"لمحمد الغزالی، و"السیرة النبویة" لمحمد متولی الشعراوی، و"المنهج الحركی للسیرة النبویة" لمنیر محمد الغضبان، و"السیرة النبویة: دروس وعبر" للدكتور مصطفى السباعی، و"نور الیقین" للخضری بك، و" فی السیرة النبویة: قراءة لجوانب الحذر والحمایة" للدكتور إبراهیم علی محمد أحمد، و" ملخص السیرة النبویة" لمحمد هارون...

4- تطور المدیح النبوی فی الشعر العربی القدیم:

أول ما ظهر من شعر المدیح النبوی ما قاله عبد المطلب إبان ولادة محمد صلى الله علیه وسلم، إذ شبه ولادته بالنور والإشراق الوهاج الذی أنار الكون سعادة وحبورا، یقول عبد المطلب:

وأنت لما ولدت أشرقت *** الأرض وضاءت بنورك الأفق

فنحن فی ذلك الضیاء وفی *** النور وسبل الرشاد نخترق

وتعود أشعار المدیح النبوی إلى بدایة الدعوة الإسلامیة مع قصیدة "طلع البدر علینا"، وقصائد شعراء الرسول صلى الله علیه وسلم كحسان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة وكعب بن زهیر صاحب اللامیة المشهورة:

بانت سعاد فقلبی الیوم متبول *** متیم إثرها لم یفد مكبول

وقد استحقت هذه القصیدة المدحیة المباركة أن تسمى بالبردة النبویة؛ لأن الرسول صلى الله علیه وسلم كسا صاحبها ببردة مطهرة تكریما لكعب بن زهیر وتشجیعا للشعر الإسلامی الملتزم الذی ینافح عن الحق وینصر الإسلام وینشر الدین الربانی.

ونستحضر قصائد شعریة أخرى فی هذا الباب كقصیدة الدالیة للأعشى التی مطلعها:

ألم تغتمض عیناك لیلة أرمدا *** وعاداك ماعاد السلیم المسهدا

ومن أهم قصائد حسان بن ثابت فی مدح النبی الكریم صلى الله علیه وسلم عینیته المشهورة فی الرد على خطیب قریش عطارد بن حاجب:

إن الذوائب من فهر وإخوتهم *** قد بینوا سنة للناس تتبع

ولا ننسى همزیته المشهورة فی تصویر بسالة المسلمین ومدح الرسول صلى الله علیه وسلم والإشادة بالمهاجرین والأنصار والتی مطلعها:

عفت ذات الأصابع فالجواء *** إلى عذراء منزلها خلاء

ومن أهم شعراء المدیح النبوی فی العصر الأموی الفرزدق ولاسیما فی قصیدته الرائعة المیمیة التی نوه فیها بآل البیت واستعرض سمو أخلاق النبی الكریم وفضائله الرائعة، ویقول فی مطلع القصیدة:

هذا الذی تعرف البطحاء وطأته *** والبیت یعرفه والحل والحرم

وقد ارتبط مدح النبی صلى الله علیه وسلم بمدح أهل البیت وتعداد مناقب بنی هاشم وأبناء فاطمة كما وجدنا ذلك عند الفرزدق والشاعر الشیعی الكمیت الذی قال فی بائیته:

طربت وما شوقا إلى البیض أطرب *** ولا لعبا منی وذو الشوق یلعب

ویندرج ضمن هذا النوع من المدح تائیة الشاعر الشیعی دعبل التی مدح فیها أهل البیت قائلا فی مطلعها:

مدارس آیات خلت من تلاوة *** ومنزل حی مقفر العرصات

ویذهب الشریف الرضی مذهب التصوف فی مدح الرسول صلى الله علیه وسلم وذكر مناقب أهل البیت وخاصة أبناء فاطمة الذین رفعهم الشاعر إلى مرتبة كبیرة من التقوى والمجد والسؤدد كما فی دالیته:

شغل الدموع عن الدیار بكاؤنا *** لبكاء فاطمة على أولادها

ویقول أیضا فی لامیته الزهدیة المشهورة التی مطلعها:

راجل أنت واللیالی نزول *** ومضر بك البقاء الطویل

وللشاعر العباسی مهیار الدیلمی عشرات من القصائد الشعریة فی مدح أهل البیت والإشادة بخلال الرسول صلى الله علیه وسلم وصفاته الحمیدة التی لاتضاهى ولاتحاكى.

ولكن یبقى البوصیری الذی عاش فی القرن السابع الهجری من أهم شعراء المدیح النبوی ومن المؤسسین الفعلیین للقصیدة المدحیة النبویة والقصیدة المولدیة كما فی قصیدته المیمیة الرائعة التی مطلعها:

أمن تذكر جیران بذی سلم *** مزجت دمعا جرى من مقلة بدم

أم هبت الریح من تلقاء كاظمة *** وأومض البرق فی الظلماء من إضم

وقد عورضت هذه القصیدة من قبل الكثیر من الشعراء القدامى والمحدثین والمعاصرین، ومن أهم هؤلاء الشعراء ابن جابر الأندلس فی میمیته البدیعیة التی استعمل فیها المحسنات البدیعیة بكثرة فی معارضته الشعریة التی مطلعها:

بطیبة انزل ویمم سید الأمم *** وانشر له المدح وانثر أطیب الكلم

ومن شعراء المدیح النبوی المتأخرین الذین عارضوا میمیة البوصیری عبد الله الحموی الذی عاش فی القرن التاسع وكان مشهورا بمیمیته:

شدت بكم العشاق لما ترنموا *** فغنوا وقد طاب المقام وزمزم

ومن الشعراء الذین طرقوا غرض المدیح النبوی الشاعر ابن نباتة المصری، فقد ترك لنا خمس قصائد فی المدیح النبوی كهمزیته التی مطلعها:

شجون نحوها العشاق فاءوا *** وصب ماله فی الصبر راء

ورائیته التی مطلعها:

صحا القلب لولا نسمة تتخطر *** ولمعة برق بالغضا تتسعر

وعینیته التی مطلعها:

یادار جیرتنا بسفح الأجرع *** ذكرتك أفواه الغیوث الهمع

ولامیته التی مطلعها:

ما الطرف بعدكم بالنوم مكحول *** هذا وكم بیننا من ربعكم میل

والمیمیة التی مطلعها:

أوجز مدیحك فالمقام عظیم *** من دونه المنثور والمنظوم

5- شعر المدیح النبوی فی الأدب المغربی والأندلسی:

إذا انتقلنا إلى الأدب المغربی لرصد ظاهرة المدیح النبوی، فقد كان الشعراء المغاربة سباقین إلى الاحتفال بمولد النبی صلى الله علیه وسلم ونظم الكثیر من القصائد فی مدح الرسول صلى الله علیه وسلم وتعداد مناقبه الفاضلة وذكر صفاته الحمیدة وذكر سیرته النبویة الشریفة وذكر الأمكنة المقدسة التی وطئها نبینا المحبوب. وكان الشعراء یستفتحون القصیدة النبویة بمقدمة غزلیة صوفیة یتشوقون فیها إلى رؤیة الشفیع وزیارة الأمكنة المقدسة ومزارات الحرم النبوی الشریف، وبعد ذلك یصف الشعراء المطیة ورحال المواكب الذاهبة لزیارة مقام النبی الزكی، وینتقل الشعراء بعد ذلك إلى وصف الأماكن المقدسة ومدح النبی صلى الله علیه وسلم مع عرضهم لذنوبهم الكثیرة وسیئاتهم العدیدة طالبین من الحبیب الكریم الشفاعة یوم القیامة لتنتهی القصیدة النبویة بالدعاء والتصلیة.

ومن أهم الشعراء المغاربة الذین اشتهروا بالمدیح النبوی نستحضر مالك بن المرحل كما فی میمیته المشهورة التی یعارض فیها قصیدة البوصیری المیمیة:

شوق كما رفعت نار على علم *** تشب بین فروع الضال والسلم

ویقول فی قصیدته الهمزیة مادحا النبی صلى الله علیه وسلم :

إلى المصطفى أهدیت غر ثنائی *** فیا طیب إهدائی وحسن هدائی

أزاهیر روض تجتنى لعطارة *** وأسلاك در تصطفى لصفاء

ونذكر إلى جانب عبد المالك بن المرحل الشاعر السعدی عبد العزیز الفشتالی الذی یقول فی إحدى قصائده الشعریة:

محمد خیر العالمین بأسرها *** وسید أهل الأرض م الإنس والجان

أما القاضی عیاض فقد خلف مؤلفات عدیدة وقصائد أغلبها فی مدح الرسول صلى الله علیه وسلم والتشوق إلى الدیار المقدسة كما فی قصیدته الرائیة:

قف بالركاب فهذا الربع والدار *** لاحت علینا من الأحباب أنوار

ومن شعراء الأندلس الذین اهتموا بالمدیح النبوی وذكر الأماكن المقدسة لسان الدین بن الخطیب الذی یقول فی قصیدته الدالیة:

تألق "نجدیا" فاذكرنی" نجدا" *** وهاج لی الشوق المبرح والوجدا

ومیض رأى برد الغمامة مغفلا *** فمد یدا بالتبر أعلمت البردا

6- المدیح النبوی فی العصر الحدیث:

من یتأمل دواوین شعراء خطاب البعث والإحیاء أو ما یسمى بشعراء التیار الكلاسیكی أو الاتجاه التراثی فإنه سیلفی مجموعة من القصائد فی مدح الرسول صلى الله علیه وسلم تستند إلى المعارضة تارة أو إلى الإبداع والتجدید تارة أخرى. ومن الشعراء الذین برعوا فی المدیح النبوی نذكر: محمود سامی البارودی وأحمد شوقی وحافظ إبراهیم ومحمد الحلوی وآخرین كثیرین...

فمن قصائد محمود سامی البارودی قصیدته الجیمیة التی یقول فیها:

یا صارم اللحظ من أغراك بالمهج *** حتى فتكت بها ظلما بلا حرج

مازال یخدع نفسی وهی لاهیة *** حتى أصاب سواد القلب بالدعج

طرف لو أن الظبا كانت كلحظته *** یوم الكریهة ما أبقت على الودج

وهذه القصیدة هی فی الحقیقة معارضة لقصیدة الشاعر العباسی الصوفی ابن الفارض التی مطلعها:

ما بین معترك الأحداق والمهج *** أنا القتیل بلا إثم ولا حرج

ومن قصائد محمود سامی البارودی فی المدیح النبوی قصیدته" كشف الغمة فی مدح سید الأمة" وعدد أبیات هذه القصیدة 447، ومطلع القصیدة هو:

یا رائد البرق یمم دارة العلم *** واحْدُ الغمامَ على حی بذی سلم

ومن الشعراء الآخرین الذین نظموا على منوال البردة الشیخ أحمد الحملاوی فی قصیدته التی سماها كذلك ب "منهاج البردة" ومطلعها:

یا غافر الذنب من جود ومن كرم *** وقابل التوب من جان ومجترم

ویحذو أحمد شوقی حذو البارودی فی معارضة الشعراء القدامى فی إبداع القصائد المدحیة التی تتعلق بذكر مناقب النبی وتعداد معجزاته وصفاته المثلى كما فی همزیته الرائعة التی مطلعها:

ولد الهدى فالكائنات ضیاء *** وفی فم الزمان تبسم وثناء

ویقول فی مولدیته البائیة:

سلوا قلبی غداة سلا وتابا *** لعل على الجبال له عتابا

ومن أحسن قصائد أحمد شوقی فی مدح الرسول صلى الله علیه وسلم قصیدته المیمیة التی عارض فیها قصیدة البردة للبوصیری ومطلع قصیدة شوقی هو:

ریم على القاع بین البان والعلم *** أحل سفك دمی فی الأشهر الحرم

ومن الشعراء المغاربة المعاصرین الذین مدحوا النبی صلى الله علیه وسلم نذكر الشاعر المراكشی إسماعیل زویریق الذی خصص كتابین لسیرة الرسول صلى الله علیه وسلم تحت عنوان: "على النهج" یعارض فیهما شعراء المدیح النبوی. ومن القصائد التی نظمها فی المدح نذكر القصائد التالیة:

1- قصیدة "بانت سعاد" التی یعارض فیها قصیدة كعب بن زهیر:

بانت سعاد فما للحزن تمهیل *** الدمع منسجل والجسم مهزول

2- قصیدة" البردة یا شاكی البان" یعارض فیها قصیدة البوصیری:

یاشاكی البان كم فی البین من سقم؟ *** شكواك تنساب لحنا دافق الألم

3- قصیدة "المرتجیة" كما فی مطلع قصیدته الجیمیة التی یعارض فیها القصیدة "المنفرجة" لابن النحوی:

إن ضاق الأمر فلا تهج *** فغدا قد یأتی بالفرج

4- قصیدة "فی رحاب المدینة" التی عارض فیها قصیدة الهمزیة للبوصیری:

هاتها، ما للنفس عنها غناء *** جابنی الشوق حین عز الدواء

5- قصیدة "السینیة فی مدح خیر البریة"، التی عارض فیها الشاعر سینیة البحتری، ومطلع القصیدة هو:

یجهر البین ما تخفى بنفسی *** فسقانی كأس الشجا بعد كأس

6- قصیدة "كل مدیح فیه مختصر" وهی رائیة الروی ومطلعها:

رأیت كل مدیح فیه مختصرا *** فما تعد سجایاه وتختصر

7- قصیدة "الدالیة فی الرد على من أساء إلى الرسول برسوماته الكاریكاتوریة" عارض فیها دالیة أبی العلاء المعری ومطلعها:

أما أعنى الذی رسموا الفؤادا *** فما للصمت یلزمنی الحیادا

7- خصائص المدیح النبوی مضمونا:

من أهم ممیزات المدیح النبوی أنه شعر دینی ینطلق من رؤیة إسلامیة، ویهدف إلى تغییر العالم المعاش وتجاوز الوعی السائد نحو وعی ممكن یقوم على المرجعیة السلفیة بالمفهوم الإیجابی. كما أن هذا الشعر تطبعه الروحانیة الصوفیة من خلال التركیز على الحقیقة المحمدیة التی تتجلى فی السیادة والأفضلیة والنورانیة. ویعنی هذا أن المدیح النبوی یشید بالرسول صلى الله علیه وسلم باعتباره سید الكون والمخلوقات، وأنه أفضل البشر خلقة وخلقا، وهو كذلك كائن نورانی فی عصمته ودماثة أخلاقه. لذلك یستحق الممدوح كل تعظیم وتشریف، وهو أحق بالتمثل واحتذاء منهجه فی الحیاة، كما أن عشق الرسول صلى الله علیه وسلم فی القصیدة النبویة یتخذ أبعادا روحانیة وجدانیة وصوفیة.

ویلاحظ على الغزل الموجود فی كثیر من القصائد النبویة أو المولدیة أنه غزل یتجاوز النطاق الحسی الملموس إلى ماهو مجازی وإیحائی. أی ینتقل هذا الغزل من النطاق البشری إلى نطاق الحضرة الربانیة.

ویسافر شعر المدیح النبوی فی ركاب الدعوة المحمدیة وشعر الفتوحات الإسلامیة لیعانق التیارات السیاسیة والحزبیة فیتأثر بالتشیع تارة والتصوف تارة أخرى. ولن یجد هذا الشعر استقراره إلا مع شعراء القرن التاسع الهجری مع البوصیری وابن دقیق العید. بید أن شعر المدیح النبوی سیرتبط فی المغرب بعید المولد النبوی وشعر الملحون والطرب الأندلسی لیصبح فی العصر الحدیث شعرا مقترنا بالمعارضة فی غالب الأحیان.

وعلى أی حال، یتمیز المدیح النبوی بصدق المشاعر ونبل الأحاسیس ورقة الوجدان وحب الرسول صلى الله علیه وسلم طمعا فی شفاعته ووساطته یوم الحساب. وما حب الرسول فی القصیدة المدحیة إلا مسلك للتعبیر عن حب الأماكن المقدسة والشوق العارم إلى زیارة قبر الرسول صلى الله علیه وسلم والوقوف على جبل عرفات والانتشاء بكل الأفضیة التی زارها الحبیب أثناء مواسم العمرة والحج.

8- خصائص المدیح النبوی شكلا:

تستند أغلب قصائد المدیح النبوی إلى القصیدة العمودیة القائمة على نظام الشطرین ووحدة الروی والقافیة واعتماد التصریع والتقفیة فی المطلع الأول من القصیدة.

وتتسم القصائد النبویة والمولدیة الحدیثة ذات النمط الكلاسیكی أو التراثی بتعدد الأغراض والمواضیع على غرار الشعر العربی القدیم، والسبب فی هذا التعدد هو معارضة القصائد الأصلیة كقصائد البوصیری وقصائد ابن الفارض وقصیدة كعب بن زهیر وغیرها. وهذه المعارضة تدفع الشاعر إلى انتهاج نفس البناء والسیر على نفس الإیقاع والروی والقافیة واستخدام نفس الألفاظ والأغراض الشعریة. ومن ثم، فالقصیدة النبویة تتكون على مستوى البناء من المقدمة الغزلیة ووصف المطیة ومدح الرسول صلى الله علیه وسلم والتصلیة والدعاء والاستغفار والتوبة. وهذا ما أفقد المدیح النبوی الوحدة الموضوعیة والعضویة على الرغم من وجود الاتساق اللغوی على مستوى السطح الظاهری والانسجام على مستوى العمق الدلالی.

وفیما یخص الإیقاع الخارجی، تعتمد قصائد المدیح النبوی على البحور الطویلة الجادة التی تتناسب مع الأغراض الجلیلة الهامة كالمدیح النبوی والتصوف الروحانی والتشیع لآل البیت، لذلك یستعمل شعراء المدیح النبوی البحر الطویل والبحر البسیط والبحر الكامل والبحر الوافر والبحر الخفیف. وبعد البحر البسیط من أهم البحور المفضلة لدى شعراء المدیح النبوی ولدى شعراء المعارضة. ومن المعلوم أن البردة التی نظمها الشاعر البوصیری كانت على البحر البسیط، لذلك أصبحت هذه القصیدة نموذجا یقتدى به فی الشعر العربی الحدیث من قبل شعراء المدیح النبوی موضوعا وإیقاعا وصیاغة.

ومن أهم القوافی التی استعملت كثیرا فی الشعر النبوی المیم والسین واللام والتاء والهمزة والجیم. وهی قوافی صالحة وطیعة لرصد التجربة الشعریة المولدیة أو النبویة أو الصوفیة الروحانیة ماعدا قافیة الجیم التی تثیر جرسا خشنا ونشازا شاعریا.

وعلى مستوى الإیقاع الداخلی، فشاعر المدیح النبوی یستعمل بكثرة ظاهرة التصریع والتوازی الصوتی والتكرار الإیقاعی والجمع بین الأصوات المهموسة والأصوات المجهورة. وینسجم هذا الإیقاع الشعری بكامله مع الجو الموسیقی والنفسی والدلالی للقصائد المدحیة.

وتمتح اللغة الشعریة ألفاظها المعجمیة فی قصیدة المدیح النبوی من حقل الدین وحقل الذات وحقل العاطفة وحقل الطبیعة وحقل المكان وحقل التصوف. كما یمتاز المعجم الشعری بالجزالة وفخامة الكلمات وقوة السبك ورصانة الصیاغة وهیمنة المعجم التراثی وغلبة الألفاظ الغریبة غیر المألوفة. لذلك یغلب الجانب التراثی والبیان السلفی على هذا الشعر الدینی كتابة وتعبیرا وصیاغة.

ویستخدم هذا الشاعر المادح لرسول الله صلى الله علیه وسلم الجمل الفعلیة الدالة على التوتر والحركیة والجمل الاسمیة الدالة على الإثبات والتأكید، ونجد كذلك المزاوجة بین الأسالیب الخبریة والإنشائیة قصد خلق الوظیفة الشعریة بمكوناتها الإیحائیة والمجازیة. وغالبا ما یستوجب مكون السیرة وسرد المعجزات الأسلوب الخبری، بینما یفترض تدخل الذات وإظهار المشاعر والانطباعات الانتقال من أسلوب إنشائی إلى آخر حسب السیاقات المقصدیة والوظیفیة.

ویشغل شعر المدیح النبوی الصور الشعریة الحسیة القائمة على المشابهة من خلال استخدام التشبیه والاستعارة، والاستعانة بالصورة المجاورة عبر المزج بین المجاز المرسل والكنایة الإحالیة فی التصویر والبیان. ویمكن أن تتخذ الصور البلاغیة ذات النطاق الحسی طابعا رمزیا خاصة فی المقاطع الصوفیة العرفانیة. ویتراوح البدیع فی المدیح النبوی بین العفویة المطبوعة والتصنع الزخرفی فی القصائد المدحیة البدیعیة التی نظمت فی العصور المتأخرة كما عند ابن جابر الأندلسی فی میمیته البدیعیة.

وینتقل الشاعر تداولیا فی قصائده المدحیة من ضمیر المتكلم الدال على انفعالیة الذات والانسیاق وراء المناجاة الربانیة والاستعطاف الذاتی إلى ضمیر المخاطب أو الغیاب للتركیز على الممدوح وصفا وإشادة وتعظیما.

خاتمة:

ویتضح لنا - مما سبق ذكره - أن شعر المدیح النبوی شعر صادق بعید عن التزلف والتكسب، یجمع بین الدلالة الحرفیة الحسیة والدلالة الصوفیة الروحانیة. كما یندرج هذا الشعر ضمن الرؤیة الدینیة الإسلامیة، ویمتح لغته وبیانه وإیقاعه وصوره وأسالیبه من التراث الشعری القدیم. مما أسقط هذا الشعر فی كثیر من الأحیان فی التكرار والابتذال والاجترار بسبب المعارضة والتأثر بالشعر القدیم صیاغة ودلالة ومقصدیة.

وعلى الرغم من ذلك، فقد استطاع بعض الشعراء أن یتفوقوا فی شعر المدیح النبوی كمحمود سامی البارودی وأحمد شوقی والشاعر المغربی إسماعیل زویریق فی مجموعته الشعریة الطویلة المتسلسلة" على النهج...".

وعلیه، فالمدیح النبوی شعر دینی یركز على سیرة النبی صلى الله علیه وسلم وفضائله النیرة، وقد رافق هذا الشعر مولده وهجرته ودعوته، كما واكب فتوحاته وحب آل البیت فانصهر فی شعر التصوف لیصبح فنا مستقلا مع البوصیری وابن دقیق العید. وفی العصر الحدیث، ارتبط هذا الشعر بالمناسبات الدینیة وعید المولد النبوی، وفی نفس الوقت خضع لمنطق المعارضة المباشرة وغیر المباشرة.

بید أن السؤال الذی یتبادر إلى أذهاننا: إلى أی مدى یمكن الحدیث عن المدیح النبوی فی الشعر المعاصر، أی فی قصیدة التفعیلة والقصیدة النثریة؟ وهل ثمة حضور لشخصیة الرسول صلى الله علیه وسلم بالصورة التی وجدناها فی الشعر التراثی القدیم أو الشعر البیانی الحدیث أم بصورة أخرى مخالفة؟ هذا ما سنعرفه فی مقالات لاحقة إن شاء الله.

-------------------------------

ملاحظة:

جمیل حمداوی، صندوق البرید 5021 أولاد میمون، الناظور، المغرب

jamilhamdaoui@yahoo.fr

www.jamilhamdaoui.net

------------------------------

الهوامش:

- انظر الدكتور زكی مبارك: المدائح النبویة فی الأدب العربی، منشورات المكتبة العصریة، صیدا بیروت، الطبعة الأولى 1935، ص:17؛

- الدكتور عباس الجراری: الأدب المغربی من خلال ظواهره وقضایاه، مطبعة النجاح الجدیدة، الدار البیضاء، ط2، 1982م، ص:141؛

- نفس المرجع السابق، ص:142؛

- لسان الدین بن الخطیب: الإحاطة فی أخبار غرناطة، تحقیق: محمد عبد الله عنان، مكتبة الخانجی بالقاهرة، ط1، 1975م، ج3، ص:314-315؛

- محمد بن تاویت: الوافی بالأدب العربی فی المغرب الأقصى، ج1، دار الثقافة، البیضاء، الطبعة 1، 1982، ص:339-340؛

- عبد العزیز الفشتالی: شعر عبد العزیز الفشتالی، جمع ودراسة وتحقیق: نجاة المرینی، ص:420-428؛

- القصیدة من مخطوطة بالخزانة العامة بالرباط فی مجموع من ورقة 166-168، رقم:744؛

- لسان الدین بن الخطیب: دیوان لسان الدین بن الخطیب، تحقیق: الدكتور محمد مفتاح، المجلد1، دار الثقافة، البیضاء، ط1، 1989، ص:346-350؛

-انظر إسماعیل زویریق: على النهج، الجزء 1، ط1، 2004م، مطبعة ولیلی، مراكش؛ وانظر كذلك: على النهج، الجزء2، مطبعة ولیلی، مراكش، الطبعة1 سنة2006م؛

+ درج شده در  چهارشنبه 11 فروردین1389ساعت 4:49 بعد از ظهر  توسط  مـــــتـــــرجــــــم عــــــربـــــي   چاپ این صفحه

البنیویة وما بعد البنیویة

 

البنیویة Le structuralisme تیار فكری انبثق فی أوربة فی بدایة القرن العشرین، وبلغ أوج ازدهاره فی ستینات القرن العشرین، وشمل العلوم والفنون والآداب واللغة.

وأساس هذا التیار نظریة مفادها، أن العالم لا یتألف من عناصر أو وحدات ذات وجود مستقل أو منفرد، وإنما من وحدات توجد ضمن بنیة أو نسق عام یضبط علاقاتها المتبادلة لتكتسب معنى وقیمة، إضافة إلى خاصیتها الفردیة. وتفقد هذه الوحدات معانیها وأهمیتها خارج إطار هذا النسق أو البنیة. ولا یبحث البنیویون فی خصائص الوحدات والأجزاء أو محتواها، وإنما فی علاقة الأجزاء فیما بینها بقصد الكشف عن وحدة العمل الكلیة أو النسق. وتعتمد هذه النظریة التی طبقت فی جمیع المجالات، وخاصة فی العلوم الإنسانیة والفیزیائیة، على ثلاث مقولات رئیسیة هی: الكلیة والتحول والضبط الذاتی. والكلیة نظام شامل من العلاقات المتبادلة بین جمیع الوحدات التی تنتمی إلیه، وتستمد منه معناها وقیمتها. فاللغة بنیة كلیّة، أو نسق من العلاقات الدلالیة والصرفیة والنحویة، یحدد معانی الكلمات ووظائفها. فكلمة mouse، وهی وحدة فی بنیة اللغة الإنكلیزیة الكلیّة، تعنی «فأراً» فی هذه اللغة وحدها، بمقارنتها بالكلمات التی تنتمی إلى المجموعة الوظیفیة ذاتها، كالكلب والبقرة والقطة؛ فإذا أخرجت من هذه البنیة تفقد هذا المعنى، ما لم یكن لها معنى آخر فی نسق لغوی آخر، إذا كان صوتها یوحی بهذا المعنى؛ وهذا نادر، ولا یكون إلا مصادفة.

أما التحول فهو نظام تتمتع به البنیة، على ثباتها، لیساعد فی إیجاد معانی وتركیبات متجددة دائماً، لكن ضمن قواعدها الثابتة والضبط الذاتی لكل وحدة فیها. فمثلاً إن أی كلمة فی اللغة لها وظیفة ثابتة ضمن البنیة الكلیة، كأن تكون اسماً، أو فعلاً أو نعتاً، ولكن یمكن أن ترد هذه الكلمة فی عدة تشكیلات وتركیبات تحول معناها بشرط أن تحافظ على وظیفتها. فكلمة cat فی الإنكلیزیة وهی اسم، ولا یمكن أن تأتی بوظیفة فعل إلا بخرق القانون العام للبنیة، ولكنها تأتی فی عدة تركیبات. وضمن هذا التحول أیضاً، یمكن لهذه الكلمات أن تكتسب معانی جدیدة حسب تبدل العلاقات بعضها ببعض وحسب التغیرات التی تطرأ على استخدام اللغة فی مجتمعاتها لتكسبها مدلولات جدیدة. وهنا یأتی الضبط الذاتی لیحافظ على وظیفة الوحدات وعلاقتها ببعضها ضمن ضوابط ثابتة داخل النسق العام.

البنیویة فی اللغة

یعد اللغوی السویسری فردیناند دی سوسور[ر] F. de Saussur واضع الأسس العملیة للبنیویة الألسنیة. ففی «محاضرات فی الألسنیة العامة» (1915) Cours de linguistique générale  میز دی سوسور اختلافاً بین ثلاثة مستویات داخل النشاط اللغوی: اللسان Langue وهو المظهر الأوسع للنشاط اللغوی لأنه یشمل المقدرة الإنسانیة على الكلام؛ واللغة Language وهی نظام یستخدمه الناس لتولید المحادثة؛ والكلام Parole وهو الشكل الفردی الخاص فی استعمال اللغة. ویعد تعریف دی سوسور للّغة بأنها «نظام لا یعرف إلا ترتیبه الخاص» أول توصیف للّغة كبنیة. وقد وضع دی سوسور مجموعة من الأدوات المفهومیة أسهمت فی وصف ذاك النظام، وكان لها الأثر الكبیر فی تطویر المنهج البنیوی بوجه عام.

 1ـ التزامن synchronie والتزمّن diachronie: التزامن هو دراسة حال اللغة والعلاقة بین عناصرها فی مرحلة زمنیة محددة من دون الاهتمام بتطورها التاریخی، ویقوم على اعتبار اللغة كلاً متماسكاً إلى حد ما. أما التزمّن فهو دراسة اللغة فی تطورها من خلال التغیرات التی تطرأ علیها. فالحاجة قائمة فی العلوم إذن للتفریق بین محورین: محور أفقی (محور المعیّة) الذی یهتم بالعلاقات القائمة بین عناصر تتواجد فی الوقت نفسه، ومحور شاقولی (محور التعاقب)  الذی یهتم بتغیر العناصر والعلاقات بینها فی أوقات متعاقبة. وقد اهتم دی سوسور بالتزامن لدراسة اللغة، ولیس بالتزمن.

2ـ العلاقات التركیبیة syntagmatique والعلاقة التبادلیة paradigmatique: العلاقات التركیبیة هی تلك التی تقیمها وحدة ألسنیة ما مع الوحدات الأخرى فی المستوى نفسه لتشكل تركیباً (مثل العلاقات التی تقیمها الكلمات لبناء جملة)؛ أما العلاقات التبادلیة فهی تلك التی توجد بین وحدات تقوم بالوظیفة نفسها ویمكن إبدالها فیما بینها.

3 ـ العلامة signe: رأى سوسور أن اللغة نظام «علاماتی» ولیس منتوجاً تاریخیاً، وأعاد تعریف العنصر الرئیس للبنى اللغویة فأطلق علیه تسمیة علامة ثم بیّن أن لهذه العلامة ماهیة مزدوجة، أی أنها كلٌّ مركب یربط بین صورة سمعیة (الدالّ) وتصور ذهنی (المدلول)  ولا یسبب أحدهما وجود الآخر، ولكن یعتمدان  على بعضهما فی تشكیل علامة تعد عنصراً فی بنیة اللغة ككل. أما العلاقة التی تربط بینهما فهی علاقة خطیة واعتباطیة، أی إن اختیار هذه الصورة السمعیة حاملاً لذاك التصور الذهنی هو أمر مفروض على مستخدمی اللغة نفسها فی إطار بنیة اللغة التی تسهم فی حیاة الناس فی مجتمعاتهم.

تطورت البنیویة الألسنیة تطورا كبیرا بعد دی سوسور، وذلك فی ثلاثة مناح أساسیة هی:

 1ـ مدرسة براغ[ر]: تركزت التوجهات الأساسیة لهذه المدرسة حول المظاهر الصوتیة للّغة. وكان من أشهر أقطابها الروسیان نیكولای تروبتسكوی[ر] N.Trubetskoï ومن أشهر كتبه «مبادئ التصویتیة»، ورومان یاكوبسون[ر] R.Jakobson الذی اشتهر إلى جانب دراساته فی الألسنیة بدراساته فی الشعریة La poétique التی شرح فیها نظریته حول العلاقات الدیالكتیكیة فی اللغة وفی اللسان، وعرضها بشكل محدد فی دراسته المشتركة مع كلود لیفی شتراوس[ر] C.Levi-Strauss حول قصیدة «الهررة» لبودلیر[ر]، وكذلك فی كتابه «مسائل فی الشعریة» (1973) Questions de poétique وقد كان لشتراوس كبیر الأثر فی إرساء قواعد التحلیل اللغوی.

 2ـ المدرسة الوظیفیة الفرنسیة: وأهم ممثلیها أندریه مارتینیه A.Martinet الذی ركز دراساته على التصویتیة فی «اقتصاد التغیرات التصویتیة» (1955) ، و«مبحث فی التصویتیة التزمنیة» (1955) وعلى مفهوم «التمفصل المزدوج». وإیمیل بنفینست[ر] Benveniste فی كتابه «مسائل فی الألسنیة العامة» (1966) Problèmes de linguistique générale.

3ـ  مدرسة كوبنهاغن: وأهم أعلامها لویس یلمسلیف  (1899 - 1965) L.Hjelmslev  الذی طوّر مفاهیم دی سوسور وسعى إلى تأسیس علم للدلالة sémiotique قائم على وجود تشابه فی بنیة الشكل والمضمون.

البنیویة فی الأدب

تطورت مناهج التحلیل البنیوی فی الأدب انطلاقاً من النظرة إلى النص الأدبی كمظهر من مظاهر اللغة، ما یجعل بالإمكان دراسته بوساطة الشبكات أو البنى المستعملة فی دراسة اللغة: بنى نحویة، خطابیة، صوتیة، لیصبح بذلك نسق اللغة نموذجاً للنقد. وقد طبق البنیویون التحلیل البنیوی على الأجناس والأشكال والأسالیب الأدبیة لمعرفة كیف تعمل وكیف تركب ضمن نسق لغوی ذی نظام ثابت ومتغیر فی الوقت نفسه ضابط النصوص الأدبیة، وطبق هذا النظام على بنیة  الروایة، ولم یكن التطبیق على المعنى الذی یقدمه النص الأدبی بل على البنیة التی یخضع لها النص لیولد المعنى. وذهب البنیویون إلى إظهار العمل الأدبی نموذجاً أو منتجاً یمثل هذه البنیة. وكان لدراسة لیفی شتراوس للأسطورة وبنیتها أكبر الأثر فی تطویر نظریة النقد البنیوی فی الأدب، إذ سلط الضوء على أسطورة أودیب مثلاً، بأن تناولها وقسّمها إلى أحداث صغیرة épisodes mythèmes تتكرر، ویعاد تركیبها وتشكیلها ضمن شبكة ذات بعدین متضادین لیستخرج منها التقابلات المهمة ذات الدلالة التی یُفترض أن الأسطورة تدور حولها، لیس حسب التسلسل الزمنی أو التراكم الحدثی وإنما الدلالی البنیوی لها. فأحداث الأسطورة مهما كان عددها تُصنف حسب البنیة التی تحكمها إلى أعمدة أربعة تبعاً للمعاییر التالیة: الإفراط فی تقدیر صلات القرابة (أودیب یتزوج یوكاستا)، الحط من قدر صلات القرابة (أودیب یقتل أباه)، قتل الوحوش (أودیب یقتل الهولة)، صعوبة الوقوف بانتصاب (لایوس أعسر، لابداكوس أعرج). وهكذا فجمیع الأساطیر تتبع نظاماً بنیویاً واحداً ولكن تظهر فی أشكال متعددة ومتكررة.

وهكذا یوظف النص الأدبی نموذجاً یوضح البُنى والمعاییر التی تحكمه، ویعتمد فی هذا على مبدأ القطبیة الثنائیة أو الثنائیات الضدیة binary oppositions التی یُبنى على أساسها الإطار الذی یولد المعنى ویُحصر ضمنه مثل: الطبیعة/ الحضارة، الذكر/ الأنثى، الحیاة/ الموت، المفتوح/ المغلق، الخیر/ الشر.

وقد أسهم یاكوبسون أیضاً فی دراسته للنص الأدبی واللغة المستخدمة للكتابة باكتشاف قوانین جدیدة تحكم النص، فعارض النظرة السائدة حول معاییر الروایة الأدبیة التی تقول بأن الروایة الأدبیة تتقدم زمنیاً من خلال تطور الأحداث فیها، وبأنها لاتخضع لقانون التزامن وإنما التزمن فقط؛ وقدم طرحاً جدیداً بأن اللغة الأدبیة موجودة فی فضاء محدد ترتبط فیه عناصرها ببعضها أفقیاً، كما العلاقة بین المركبات والكلمات التی تؤلف جملة؛ وشاقولیاً بعلاقة تبادلیة تسمح للكلمات التی تنتمی إلى الفئة الوظیفیة نفسها بأن تحل محل بعضها فی الجملة. فهناك إذاً محور شاقولی یختار فیه الأدیب الكلمات ثم یركبها حسب المحور الأفقی فی فضاء بنیوی یولد النص الأدبی الروائی الذی تضبطه معاییر وقوانین بنیة هذا الفضاء. وفقاً لهذا یظهر النص تبعاً لنظامه اللغوی ولیس لإرادة المؤلف، وعلى الباحث أن یسبح فی فضاء النص لیكشف البنیة الحقیقیة عن طریق التناص[ر] intertextualité، وما یضعه المؤلف هو نصوص مكتوبة سلفاً لنظام أو نسق للكتابة مسبق الصنع.

  ولقد أجریت أولى المقاربات البنیویة للأدب فی روسیة. فهناك من جهة دراسة فلادیمیر بروب  (1895-1970) V.Propp عن الحكایات الشعبیة فی روسیة: «مورفولوجیة الحكایات الشعبیة» (1928) Morphology of the Folktale، وفیها یعالج مئة حكایة من الحكایات الشعبیة ویدرس كل حكایة على حدة بصفتها بنیة متفردة، لیستنتج أن شخصیات الحكایات متغیرة لكن وظائفها «أی ما تفعله الشخصیة من وجهة نظر أهمیتها فی مجرى الحدث» تبقى ثابتة ومحدودة، ونجد من جهة أخرى الدراسات التی كتبت فی المدة الممتدة بین 1915 و1930 ولم تعرف فی أوربة إلا فی الستینات تحت اسم الشكلانیة Formalisme الروسیة. ومن بین واضعی هذه الدراسات تتمیز أسماء توماشفسكی (1890-1957) B.V.Tomasjevski، وآیخنبوم (1886-1959) B.M.Eichenbaum ، وشكلوفسكی (1893ـ) V.V.Chklovski، وتینیانوف (1894-1943) V.V.Tynyanov، وفینوغرادوف (1895-1969) V.V.Vinogradov، كما تدخل فی سیاق هذه المقاربات كتابات الناقد میخائیل باختین[ر] M.Bakhtin «فرانسوا رابلیه[ر] والثقافة الشعبیة إبان النهضة» (1965) ، و«شعریة دستویفسكی» (1929)، و«علم جمال الروایة ونظریتها» (1965)، و«جمالیة الإبداع اللغوی» (1979)، و«الماركسیة وفلسفة اللغة» (1929). وقد وجدت دراسات بروب ورثة لها فی النقد البنیوی الفرنسی لدى كل من الجیرداس جولیان غریماس (1917- 1986) A.J.Greimas وكلود بریمون (1929-) Cl.Bremond  وتزفیتان تودوروف  (1939-) T.Todorov.

 اهتم الناقد اللیتوانی الأصل غریماس، بوجه خاص، بعلم الدلالة فی مؤلفاته «علم الدلالة البنیوی» (1966) و«أبحاث فی علم الدلالة» (1970)، و«علم الدلالة والعلوم الاجتماعیة» (1976)  فوضع مجموعة من المفاهیم التی تسمح باستشفاف البنیة الأساسیة للمعنى. وقد نظم هذه المفاهیم فی مخطط نمطی قابل للتطبیق على أی نص سردی. وتابع بریمون فی «منطق الحكایة» (1973)  الارتباط المنطقی للوظائف التی تتضمنها كل حكایة لیحدد الإمكانات البنیویة لترابط السرد تبعا لمنظومة ارتقاء وانحطاط، مما یسمح له بوضع تصنیف للمقاطع السردیة. أما تودوروف فقد استخلص من دراساته للأدب العجائبی فی «مدخل إلى الأدب العجائبی» (1970) Introductionla littérature fantastique الهیكلیة البدئیة العمیقة التی تُبنى علیها نصوص هذا الجنس الأدبی.

إلى جانب هذه التصدیات البنیویة لقضایا عامة فی الأدب هناك مقاربات ترد على ما أخذه نقاد البنیویة على منهجیتها من عدم صلاحیتها لقراءة النصوص الفردیة. ومن أهم ما أنتج فی هذا المضمار أعمال رولان بارت[ر] R.Barthes مثل دراسته «اس/ زد» (1970) S.Z التی یقدم فیها قراءة نقدیة عملیة لقصة «العربی» لبلزاك[ر]، ودراسة تزفیتان تودوروف «قواعد دیكامیرون» (1969) Grammaire du Décaméron عن كتاب بوكاتشو[ر]، وجیرار جینیت (1930ـ) G.Genette فی الجزء الثالث من كتاب «أشكال 3» (1972) Figures III الذی یقدم فیه دراسة منهجیة لروایة «البحث عن الزمن المفقود»A la recherche du temps perdu لمارسیل بروست[ر]، ویعد هذا الكتاب المرجع الأساسی للدراسات السردیة. وبهذه المقاربات وصلت البنیویة إلى مرحلة ما بعد البنیویة.

البنیویة فی العلوم الإنسانیة

سبق نجاح البنیویة فی مجالات العلوم الإنسانیة نجاحها فی مجالی الأدب واللغة وخاصة فی علم الإناسة Anthropology، إذ بیّن الإناسی الفرنسی كلود لیفی ـ شتراوس أن الرفع التفصیلی للممارسات الاجتماعیة یسمح باستخلاص البنى الخفیة التی تحدد هذه الممارسات، وهذا ما أثبته فی عدید من كتبه مثل «علم الإناسة البنیوی» (1955) Anthropologie Structurale، «النیئ والمطبوخ» (1964) Le cru et le cuit، «من العسل إلى الرماد» (1966) Du miel aux cendres. ومن المحطات المهمة فی مقاربة البنیویة للعلوم الإنسانیة أعمال لوی آلتوسیر (1918-1990) L.Althusser الذی ینطلق فی كتابیه «من أجل ماركس» و«قراءة رأس المال» الصادرین عام 1965 من البنى الاقتصادیة والاجتماعیة التی یدرسها ماركس فی «رأس المال» لیصل إلى نظریته فی التطبیق العملی «البراكسیس» Praxis سیرورةً للتحولات المستقلة، وأعمال میشیل فوكو (1926 - 1984) M.Foucault «الكلمات والأشیاء» (1966) Les mots et les choses و«أحفوریات المعرفة» (1969) L’Archéologie du savoir وفیها یرى أنه لتطور العلوم الإنسانیة یجب التخلی عن تراكمات الأنظمة الإنسانیة التی تدل على انحطاط الإنسان أكثر من رقیه، وعلى جهله أكثر من وعیه، وتدمر هذا الإنسان وما حوله، بسبب الإیدیولوجیات التی هی مجرد أوهام وأباطیل یخلقها فتقیده.

ما بعد البنیویة

بدأت البنیویة فی الانهیار فی أوائل السبعینات من القرن العشرین، وظهر مكانها فی فرنسة ما اصطلح على تسمیته «ما بعد البنیویة» Post-structuralisme. وكان رولان بارت وجاك دیریدا Jacques Derrida أهم فلاسفتها. وكان بارت قد تحول عن البنیویة إلى ما بعد البنیویة، وانتقل فی دراسته من أهمیة الكاتب فی تركیب النص الأدبی باعتماد معاییر وبنى جاهزة الصنع إلى دور قارئ النص فی تولید معانی جدیدة لا نهایة لها. وجاء هذا فی مقالته «موت كاتب» (1968) La mort d’un auteur التی أعلن فیها استقلالیة النص وحصانته ضد أی تقیید له بمعاییر أو بحدود مضمونة أو بحدود ما قصده الكاتب منه، فیصبح القارئ بهذا هو المنتج للنص ولمعان متجددة فیه. یؤكد بارت فی كتابه «متعة النص» (1975) Le plaisir du texte أنه فی غیاب الكاتب تصبح عملیة إیجاد تأویلات للنص عملیة عبثیة لا نهایة لها، لكنها ممتعة، وتأتی المتعة من امتلاك النص  لإمكانات «اللعب» بالمعانی. ولكن هذا لا یعنی تخلیاً فوضویاً عن كل القیود، وإنما تفكیكاً déconstruction وهدماً منظمین لإنتاج معان أخرى، وكأن القارئ یعید كتابة النص، فیصبح منتجاً له ولیس مستهلكاً، وهذا أساس المذهب التفكیكی، الذی طوره دیریدا، وهو أساس «مابعد البنیویة».

كان لمقالة دیریدا الشهیرة «البنیة والدال واللعب فی خطاب العلوم الإنسانیة» (1966)  أكبر الأثر فی الخطاب ما بعد البنیوی، إذ شكك فیها بأسس البنیویة بقوله: «لكی لا تنهار یجب أن یكون لها مركز خارج هذه البنى»، ووجود هذا المركز یدحض فكرة البنیویة ویظهر تناقضها من الداخل. وهو یرى أن هذا المركز غیر ثابت، فمثلاً إذا نظرنا إلى المتضادات الثنائیة على أنها الأحجار التی تشكل البنى، نرى أنها تعمل بصورة نسقیة هرمیة Hiérarchique إذ تسیطر واحدة على الأخرى وتتمایز عنها (مثل ثنائیة ذكر/ انثى)، ولكن إذا قلبت علامة التمایز هذه یتولد منطق تفكیكی یهدم البنیة ویهز استقرارها لیعید خلق معان جدیدة دائمة التغیر.

وإضافة إلى دیریدا كان فوكو[ر] Foucault ولاكان Lacan، فی مجال التحلیل النفسی، ناشطَین فی حركة مابعد البنیویة على الرغم من أنهما كانا فی البدایة بنیویین، إذ طرح فوكو فی كتاباته نظریته بأن أی نظام علاماتی لا یمكن أن یعمل بمعزل عن علاقات السیطرة التی تربط المفاهیم ببعضها L’inconscient، وطرح لاكان أن اللاوعی ولید اللغة ولیس العكس.

وفی حین یرى البنیویون أن الإنسان لا یملك وسیلة للوصول إلى الحقیقة إلا عبر اللغة وبنیتها ولیس العكس، فإن ما بعد البنیویین یرون أنه من المستحیل الوصول إلى الحقیقة، حتى عبر اللغة، فكل شیء تابع «لمیتافیزیقیة الوجود» والدال الكلامی مائع یسبح دائماً بعیداً ومتحرراً عن المدلول. وبهذا تصبح اللغة مائعة قابلة «للانزلاق» و«للانسكاب»، والعلامات تتركب عشوائیاً، لأنها تملك دینامیكیة لا تظهر إلا فی النص المكتوب، حیث تعید تشكیل وخلق معان جدیدة ضد المعنى الظاهر، ولاسیما أن النص یبقى بعد موت الكاتب، فیعمل النص ضد ذاته. وهكذا لا یمكن لمعانی الكلمات أن تكون ثابتة، فالكلمات مشوبة بعكوساتها، مثلاً: لا یمكن إدراك «اللیل» إلا بالرجوع لمفهوم «النهار». وقلب العلامة بین المتضادات یؤدی إلى عدم استقرار اللغة الذی هو أساس فلسفة «ما بعد البنیویة» التی تركز على قراءة النص ضد نفسه، والبحث عن «لاوحدته» بدل وحدته، وعما كتب فیه فی «اللاوعی» بدل الظاهر السطحی.

وقد تأثر ما بعد البنیویین بفلسفة نیتشه[ر] وهایدغر[ر] فروید[ر] الذین رأوا فقدان «المركز» فی عالمنا الفكری، بالمقارنة مع عصر النهضة Renaissance الذی كان الإنسان فیه هو المركز به یقاس كل شیء؛ فإنسان القرن العشرین فقد هذا «المركز» فی عملیة عدم تمركز Décentralisation، بسبب الأحداث السیاسیة مثل الحرب العالمیة التی كانت نهایة الوهم  بأن أوربة هی مركز الحضارات والثقافات، أو بسبب ثورة الاكتشافات العلمیة مثل التوصل إلى نظریة النسبیة[ر] Relativité التی قضت على مفهوم أن الوقت والزمان مطلقان مركزیان، أوبسبب الثورة الفكریة والفنیة مثل حركة الحداثة[ر] فی الفن والأدب التی رفضت الانسجام فی الموسیقى والسرد الزمنی ووحدة النص فی الروایة. ففی العالم ما بعد البنیوی لا یوجد مركزیة ثابتة للأشیاء ولا نقاط ثابتة مطلقة، فالكون الذی نعیش فیه لا تمركزی ونسبی فی طبیعته، وهذا یعطی حریة «اللعب» بخلق مراكز جدیدة متغیرة باستمرار إلى مالا نهایة. وهكذا لا توجد حقائق أكیدة، وإنما تفسیرات وتأویلات، لا یمكن لأی منها أن یدعی الصحة  أو السیطرة أو الثبات. ولا یزال هناك جدل كبیر حول إذا ما كانت «ما بعد البنیویة» امتداداً للبنیویة أم ثورة علیها، ومع أن ما بعد البنیویة سیطرت وتفوقت على البنیویة إلا أنها یمكن أن تُعد مجرد مراجعة وصیاغة جدیدة لها.

 

حسان عباس، ریما حكیم

 

مراجع للاستزادة:

 

ـ جان ماری أوزیاس وآخرون، البنیویة، ترجمة میخائیل مخول (وزارة الثقافة، دمشق 1972) .

ـ جون ستروك، «البنیویة وما بعدها ـ من لیفی شتراوس إلى دیریدا»، ترجمة محمد عصفور، عالم المعرفة 206 (الكویت 1996).

ـ روبیرت شولز، البنیویة فی الأدب، ترجمة حنا عبود (اتحاد الكتاب العرب، دمشق 1984).

ـ لیونارد جاكسون، بؤس البنیویة ـ الأدب والنظریة البنیویة، ترجمة ثائر دیب (وزارة الثقافة، دمشق 2001).

ـ ولیم رای، المعنى الأدبی ـ من الظاهراتیة إلى التفكیكیة، ترجمة یوئیل یوسف عزیز (دار المأمون، بغداد 1987).

- JEAN PIAGET, Le Structuralisme, PUF (Paris 1968).

- JEAN-MARIE AUZIAS, Clefs pour le structuralisme, Seghers ( Paris 1971).

- OSWALD DUCROT et autres, Qu‘ est-ce que le structuralisme, Seuil ( Paris1968).
- TERENCE HAWKES, Structuralism and Semiotics ( London, 199
+ درج شده در  چهارشنبه 11 فروردین1389ساعت 4:48 بعد از ظهر  توسط  مـــــتـــــرجــــــم عــــــربـــــي   چاپ این صفحه

الخیال الأدبی


 

یعرف الخیال عامة بأنه القدرة العقلیة على التجریب واستكشاف الجدید، وعلى البناء والتشكیل والمحاكاة والربط باستخدام صور ذهنیة تحاكی الطبیعة، وإن لم تعبر عن شیء موجود فی الواقع. وهو القوة التی تحرك المخیلة والإبداع والرؤى والفكر وتؤسس من ثم للفرضیات. وهو یختلف عن المخیلة fancy التی تستحضر الصور الذهنیة التی تسجلها الذاكرة وتتصرف بها بالتركیب والتحلیل والزیادة والنقصان والحذف والدمج، لتنتج تركیبة جدیدة، معقولة أو غیر معقولة لحد الغرابة، فتغدو عندها فانتازیا fantasia. ومن تعریفات الخیال أیضاً أنه قدرة الفنان على إسقاط مشاعره على موقف أو شخصیة أو مكان أو فكرة إسقاطاً ینتج من التفاعل المتعاطف مع أی منها، وهو الملكة التی تمكن الذهن من إبداع رموز للمفهومات المجردة، والمرادف الشعری أو الفنی للحدس الصوفی.

وقد اختلف الفلاسفة والنقاد والكتاب فی تعریف كلمة «الخیال» وتفسیرها وتحدید مفهومها، وسبب هذا الجدل هو أنها مصطلح معرفی إدراكی cognitive یتخذ معانی عدة باختلاف المضامین ونظریات المعرفة. فثمة من یرى أن الحواس تسیطر على الخیال، ومن یرى أنه تابع للأحاسیس، وهناك من یرجعه إلى العقل، إلا أن هناك إجماعاً على أهمیة الخیال فی الأدب، وإن اختلف النقاد والأدباء، كلٌ وفق انتمائه، فمنهم من وجد أن الخیال مصدر إلهام للأدب عموما، والشعر خصوصاً، إلا أن أهمیته لا تتعدى الإلهام الأولی للفكرة، ثم یتولى العقل عملیة التألیف الأدبی. ومنهم من رأى أن الخیال هو أساس الشعر موضوعاً ولغة، وأنه یحتل مرتبة أسمى من العقل.

كان أفلاطون[ر] أول من أعطى أهمیة للخیال فی الأدب، إذ رأى أن الشاعر الذی یستخدم الخیال مبدع یتمتع بوحی إلهی، وهو كالعاشق فی جنونه وجموحه، كما وصف أرسطو[ر] الخیال بأنه «العملیة التی تُتمثل عبرها الصور الذهنیة»، وأنه شكل من أشكال الذاكرة ومصدر للإلهام، وقد اتفق معظم الفلاسفة والكتاب الأفلاطونیین الجدد والنقاد والكتاب الاتباعیین إبان عصر النهضة على أهمیة الخیال فی الإبداع، لكنهم أكدوا على ضرورة إخضاعه للحكمة والعقل، لضبط عملیة الإبداع باستخدام المحاكاة والصور والرموز، بهدف التثقیف والإمتاع وخلق عالم أجمل من العالم الواقعی. فالخیال أساسی فی كل عملیات التفكیر، لذا فهو یعزز الإبداع، ولكن لیس له علاقة خاصة به، ولا یشكل أساساً للأدب، وإنما هو أحد وسـائل الإلـهام وأمر واقع فیه، بما أن الأدب نمط من أنماط الفكر. ورأى هوراسـیوس[ر] Horatius أن عملیة الإبداع الأدبی تبدأ باستخدام الخیال لاكتشاف الفكرة أو الموضوع، ثم وضع هذه الفكرة فی صیغة أو قالب أحد الأجناس الأدبیة المتداولة، واختیار اللغة والكلمات المناسبة للتعبیر عنها. وبهذا یكون الخیال لدى الاتباعیین الرومان جزءاً من عملیة التألیف والإبداع التی تأتی ضمن قوالب وأنساق جاهزة تضبط جموح أو انفلات هذا الخیال.

سادت هذه النظریات فی الخیال حتى العصور الوسطى وعصر النهضة فی أوربا القرن السادس عشر، حین بدأ النقاد یعرِّفون الخیال من حیث تضاده مع العقل، إذ عدوه أساساً لاكتساب التصور الشعری والإدراك المعرفی والدینی والروحانی. فمیز دانتی[ر] بین الخیال كوهم وبین الخیال السامی الذی رأى فیه مرادفاً للإبداع الفنی والشعری. ورأى شعراء عصر النهضة أن الشاعر یلاحظ بوساطة الخیال ما لا یشاهده الشخص العادی، فیخلق رموزاً جدیدة، لیصبح الأدب والفن أكثر من مجرد محاكاة أو إعادة ترتیب وتشكیل للعالم الخارجی. وقد عدَّ فرانسیس بیكون[ر] F.Bacon الخیال إحدى ملكات العقل الأساسیة الثلاث: الذاكرة والخیال والعقل، «فالتاریخ یرجع للذاكرة والشعر یرجع للخیال والفلسفة ترجع للعقل»، لكنه أكد أن هذه یجب أن توظف توظیفاً عملیاً ذرائعیاً یخدم الإنسان. واستخدم توماس مور[ر] «الخیال» فی وصف المدینة الفاضلة (الیوتوبیا).

وقد شدد الاتباعیون الجدد فی القرنین السابع عشر والثامن عشر، من أمثال راسین[ر] وكورنیّ [ر] ودرایدن[ر]، على كون الإبداع عملیة آلیة (میكانیكیة) تتبع نظاماً معیناً یسهم فیها الخیال ویضبطها العقل والحكمة. وقد أكد الفیلسوف الإنكلیزی هوبز[ر] T.Hobbes فی كتابه «لویاثان»Leviathan  ت (1651) أن الخیال والمخیلة شیء واحد یبدآن من الحواس ثم یتحولان إلى صور ذهنیة تسكن المخیلة، تتوالى وتتلاشى تارة وتتدفق تارة أخرى لتخلق تركیبات جدیدة، فیصبح الخیال والمخیلة واحداً مع الذاكرة، ومن هذه الصور یستحضر الكاتب موضوعاته الجدیدة. والخیال عند هوبز هو التجربة التی «تولد الذاكرة، والذاكرة تولد المحاكمة التی تعطی قوة وبنیة الشعر، والخیال یعطی الشعر تمیزه وزینته» لأنه یبیّن التشابهات بین الأشیاء، فی حین یستكشف العقل الفوارق. ووصف جوزیف أدیسون[ر] الخیال فی كتابه «مباهج الخیال» The Pleasures of the Imagination ت(1712) بأنه الملكة التی تستحضر الصور المرئیة كما تتلقاها الحواس وتعید ترتیبها، وأرجعه إلى العملیة التی تحدث وفقها محاكاة الواقع، إلا أنه لم یتفق مع هوبز بأن على الكاتب أن یستخدم خیاله بحكمة لیجد تشابهات بین الأشیاء، بل رأى أنه لابد للكاتب أن یضیف شیئاً من الإمتاع الأدبی بإیجاده تشابهات غیر مألوفة.

تأثر الشعراء الإبداعیون (الرومنسیون) فی أواخر القرن الثامن عشر وبدایة التاسع عشر، بفلسفة كَنت [ر] Kant، وفیشته[ر] Fichte وشِلینغ[ر] Schelling وهیغل[ر] Hegel. واتجه الإبداعیون فی أوربا ولاحقاً فی أمریكا إلى الخیال اللامحدود واللانهائی، وصار الخیال عندهم مساویاً للحكمة وقد یتفوق علیها لیصبح شكلاً من أشكال الوعی الإنسانی، فاستخدم بلیك[ر] ووردزورث[ر] مثلاً خیال الطفل، وأعطیا له أهمیة تفوق عقل البالغ، لبساطته وعمقه ونقائه. وتأثر الإبداعیون أیضاً بشكسبیر[ر] نموذجاً، واتبعوا منهج روسو[ر] فی الطبیعة، ونبذوا أی تقید بأحكام وقوالب أدبیة جاهزة. ویعد الشعر الإبداعی أهم حقل فی دراسة دور الخیال فی الأدب، ففی الخیال یكمن جوهر العمل الأدبی، إذ یخاطب الشعر ملكة الخیال عند الإنسان ولیس عقله، ویتفاوت فی القوة والخصب من شاعر إلى آخر. ویرى بلیك أن الخیال هو الحقیقة والأبدیة والدیمومة، فعالم الخیال لا نهائی یرى فیه الشاعر العالم فی حبة رمل، فی حین یرى وردزورث أنه من خلال الرؤى والخیال یستطیع الشاعر اكتشاف حقیقة الوجود التی تتجلى فی الإله. وقد یجمح الخیال عند بعض الشعراء لدرجة یصعب فهم شعرهم وماهیة الرموز التی یستخدمونها.

وتعد نظریات كولردج[ر] Coleridge من أهم النظریات فی الخیال لكونه شاعراً وناقداً، وقد جاءت نظریته التی تحدث عنها فی كتابه «سیرة أدبیة» Biographia Literaria ت(1817) تطویراً لفكرة الاتباعیین الجدد عن قدرة الشاعر على الربط والمقارنة ونقداً لها فی الوقت ذاته. فقد رأى أن نظریة الاتباعیین فی الخیال تشكل جزءاً من عملیة منظمة تجعل العقل البشری تابعاً سلبیاً لعملیات میكانیكیة تركیبیة تخلو من الإبداع، ورأى أن یكون عقل الشاعر فی نشاط دائم، وهو قادر على الخلق لیضیف للأدب بعداً خاصاً. ولهذا كان كولردج أول من فرق بین الخیال والمخیلة متأثراً بفلسفة شِلینغ وفیشته، فالخیال هو ملكة عضویة تخلق وتشكل وتصوغ، والمخیلة هی الشكل القدیم للتخیل الذی یعید استحضار صور من الذاكرة ویعید تركیبها وتشكیلها بطریقة جدیدة، وربما غیر معقولة، ولكن لیست خلاقة. وهی بهذا جزء من الذاكرة تستقی مادتها مما تشاهده ومن محاولة ربطه بعضه ببعض. وربط الصور والأفكار هو أحد وظائف الشعر، ولكنه لا یكفی للإبداع، فالخیال المبدع لا یكتفی بإعادة الترتیب وإنما ینصهر ویذوب ویتوحد تماماً فی عملیة الإبداع والأحاسیس والعاطفة والتأمل لیظهر حقیقة من حقائق الوجود ولیخلق واقعاً جدیداً، فهو برأی كولردج القوى الخلاقة التی تربط بین الإحساس والفكر لتعطی للفن والأدب تفوقاً وتمیزاً خاصین بهما. وبینما یحاول الخیال التوحد مع التجارب الحسیة لإعادة خلق حقیقة الوجود كما یجب أن یكون، تبقى المخیلة مجرد نمط للذاكرة متحرر من قیود الزمان والمكان لیركب تشكیلات جدیدة من أرشیف الذاكرة، ولذا تدخل المخیلة فی أعمال الفانتازیا ولیس فی الخیال الأدبی. وكما قالت الناقدة الفنیة لیزلی ستیفن فإن المخیلة تعالج التشابهات السطحیة، أما الخیال فإنه یتعامل مع عمق الحقیقة التی تحدد هذه التشابهات. ففی مسرحیة شكسبیر «الملك لیر» نجد أن الألم العمیق الذی یحس به الأب الملك یجعله ینشر هذا الإحساس العمیق بالعقوق ونكران الجمیل لیشمل عناصر الطبیعة كلها.

وهناك كثیر من الشعراء والروائیین ممن اهتموا بالخیال مثل وردزورث وكولردج وبلیك وبرنز وبایرون وساثی وكیتس وهیزلیت Hazlitt وشِلی Shelley فی إنكلترا، وهاینة وغوته وشیلر فی ألمانیا، وهوغو وموسیه وروسو وبودلیر فی فرنسا، وبوشكین فی روسیا، ولیوباردی Leopardi فی إیطالیا، ومیكییفیتش فی بولندا، وإدغار آلن بو وإمرسون فی أمریكا، والشعراء الأندلسیون والمتصوفون وكذلك الشعراء العرب الحدیثون الذین تأثروا بكولردج ووردزورث.

وكان للخیال أهمیة كبیرة فی الفكر الأندلسی، فقد عُرف الشعراء الأندلسیون من مثل ابن شهید[ر] وابن سهل[ر] وابن زیدون[ر] وابن خفاجة[ر] بشعرهم المتمیز ببراعة التصویر والاندماج فی الطبیعة ووصف مناظرها الخلابة من خلال اللغة والتصویر والتشخیص. وقد یندمج الخیال والمخیلة والفانتازیا لخلق عمل أدبی أو فنی، كما فی «رسالة الغفران» لأبی العلاء المعری[ر] التی حاول فیها ارتیاد عالم الغیب مطلقاً العنان للخیال واللغة وللعلاقات بین الأزمنة والأمكنة ولتذویب الفواصل بین الكائنات والجمادات، كما اكتسب الخیال عند الصوفیین أهمیة بالغة، فأصبح عند ابن عربی[ر] محوریاً فی إبداع النصوص التی تتطلب كتابتها برأیه تعطیل المنظومة الفكریة الذهنیة المنطقیة لیتسنى للخیال ممارسة دوره ووظیفته الأساسیة، ألا وهی «التحرش بالمحال».

اشتهر بعض أدباء المهجر مثل جبران خلیل جبران[ر] وإیلیا أبو ماضی[ر] باللجوء إلى الخیال لإنتاج رموز شعریة تزخر بالصور والمعانی، ولجأ آخرون إلى التجربة الباطنیة والمفاهیم الجمالیة والتحرر فی الأسلوب والانفعالات، ومالوا إلى التحدث عن خلجات النفس ومناجاة الطبیعة، واتسمت أعمالهم بطابع الذاتیة والفردیة والتأمل والغیبیة والتصوف والرجوع إلى الماضی والهرب من الواقع. وفی حین اكتفى البعض من الخیال باستخدام الصور المجازیة بقلیل من التعمق، فقد تجاوزه آخرون وصولاً إلى سبر أغوار العقل الباطن والتوجه نحو الغموض والإبهام والرمزیة المفرطة فی بعض الأحیان، ودمج الحلم بالیقظة والوعی باللاوعی، كما فعل أمین نخلة وجبران، الذی نقل القارئ بخیاله إلى جو النبوءة، وكذلك محمود درویش والصیرفی وبدر شاكر السیاب، الذی عبّر عن واقع مأسوی عاشته بلاده، بصورة تكاد تكون كشفاً عبقریاً عن واقعها المستقبلی أیضاً. ویضفی هذا التمازج بین الحقیقة والخیال على الشعر غنى فی قوة الرمز وبعداً فلسفیاً وملحمیاً وأسطوریاً. ولابد من التمییز بین الفن القصصی الذی یسعى إلى خلق عالم من المخلوقات الغریبة فی فضاء متحرر من قیود الزمان والمكان بهدف الإبهار والإمتاع والإثارة، كما فی الفانتازیا، وبین الفن القصصی الذی یخلق عالماً جدیداً، بقوة الخیال والمخیلة، بهدف البحث عن الحقیقة.

وفی حین انحسرت قیمة الخیال أمام قوى الواقعیة الصارمة والمادیة المتطرفة المعاصرة والتقدم التكنولوجی فقد انبرى كثیرون للدفاع عنه، ومنهم میخائیل نعیمة الذی نادى بإعادة الاعتبار إلى الخیال بوصفه برزخاً یصل بین القیم الروحیة المیتافیزیقیة التی هی أساس التجربة الشعریة وتلك التی تحكم الوجود المادی.

+ درج شده در  چهارشنبه 11 فروردین1389ساعت 4:47 بعد از ظهر  توسط  مـــــتـــــرجــــــم عــــــربـــــي   چاپ این صفحه

لهجه مصری را با استفاده از کتاب عالی و بی نظیر "کلمیني عربي" ياد بگير!
این مجموعه شامل یک کتاب مفصل همراه با فایلهای صوتی همه گفتگوها و تمرینهاست . بهتون قول می دهم که با کمی تلاش می توانید لهجه مصری را با این کتاب یاد بگیرید.
لینکهای دانلود:



دانلود کتاب و برنامه اجرا کننده آن

دانلود فایلهای صوتی درسها (1)
دانلود فایلهای صوتی درسها (2)
دانلود فایلهای صوتی درسها(3)
+ درج شده در  چهارشنبه 11 فروردین1389ساعت 12:34 بعد از ظهر  توسط  مـــــتـــــرجــــــم عــــــربـــــي   چاپ این صفحه


آموزش مكالمه زبان پيمزلر كه در مورد آموزش زبان انگليسي در ايران به نام روش زبان نصرت شناخته شده است يكي از قوي ترين و كاملترين روشهاي موجود در زمينه فراگيري زبان مي باشد . آموزش مكالمه زبان بصورت كلمه به كلمه و تكرار كلمات همراه با گوينده و ساختن جمله با كلمات بيان شده در حافظه موقت قرار گرفته و تكرار در ادامه دروس و يادآوري آنها در فواصل زماني تعيين شده باعث مي گردد اطلاعات از حافظه موقت به حافظه اطلي منتقل گردد و محفوظات ماندگار شوند . آموزش بيش از 34 زبان زنده دنيا بدون نياز به معلم و بدون نياز به قلم و كاغذ و بدون نياز به نوشتن يكي ديگر از مزاياي اين روش است. در اين روش با صرف زمان حداكثر روزي يك ساعت بعد از گذشت 90 روز آموزش هر زبان را به راحتي فرا خواهيد گرفت. فايل دروس به فرمت صوتي مي باشد و در تمامي دستگاههاي بخش صدا ( وي سي دي خانگي - دستگاه پخش سي دي ماشين و يا خانه - MP3 پلير - و ... ) و كامپيوتر قابل اجراء مي باشد. بر پايه ی تحقيات يک زبانشناس و محقق دانشگاه يو سی ال ای طراحی شده. مهمترين وجه تمايز اين متد از ديگر روشها :ياد آوری بين زمانی مندرج ( بر پايه ی قوای ذهنی و به خاطر سپری اطلاعات جديد در بزرگسالان)، اصل پيش بينی (پرسش از دانشجو بر اساس آموخته های جديد). برنامه بر پايه ی يادگيری زنده: بکار گرفتن دانشجو در موقعيتهای روزمره و واقعی برای يادگيری و تمرين آموختهاست درست بمانند اينکه در کشور بيگانه حضور فيزيکی داريد. بر اساس اين روش در هر زبانی يک هسته ی کلامی وجود دارد که با فراگيری مجموعه ی لغاتی که بيشترين و ضروريترين کاربرد را در هر زبانی دارند ميتوان بی آنکه مغز را با لغات غير ضروری و اطلاعات غير کاربردی انباشته کد زبان را آموخت.

دانلود کتابچه همراه(4.5 مگابایت)
multiupload or mediafire or Download

آموزش مقدماتی گرامر عربی
Arabic Grammar.hlp 148.37 KB


دانلود فایلهای صوتی (در سه بخش)
Part1 (39 MB)
mediafire OR multiupload OR click here

Part2 (58 MB)
mediafire OR multiupload OR click here

Part3 (45 MB)
mediafire OR multiupload OR click here

Egyptian self-taught Arabic

+ درج شده در  چهارشنبه 11 فروردین1389ساعت 12:31 بعد از ظهر  توسط  مـــــتـــــرجــــــم عــــــربـــــي   چاپ این صفحه


این مجموعه حاوی چند درس صوتی (بدون کتاب) آموزش لهجه عراقی است. کیفیت درسها و مباحث موجود در آن بسیار خوب و برای علاقه مندان به این لهجه ضروری است 


حجم: 19 مگابایت
+ درج شده در  چهارشنبه 11 فروردین1389ساعت 12:30 بعد از ظهر  توسط  مـــــتـــــرجــــــم عــــــربـــــي   چاپ این صفحه


اين برنامه درعين رايگان بودن بسيار عالي و پركاربرد است. با استفاده از اين برنامه كه در محيط فلش اجرا مي شويد مي توانيد حدود 1000 لغت پركاربرد عربي را به صورت تصويري و با تلفظ وا‍ژه عربي و ترجمه انگليسي آن ياد بگيريد. لغتهاي موجود در برنامه بر اساس موضوع به 25 دسته طبقه بندي شده اند . مانند: شغلها، ميوه ها ، غذا ها، سبزيجات، لباسها، اعضاي بدون و....
اين برنامه ساخت سايت المدينة العربية بوده و استفاده از آن رايگان مي باشد.




+ درج شده در  چهارشنبه 11 فروردین1389ساعت 12:28 بعد از ظهر  توسط  مـــــتـــــرجــــــم عــــــربـــــي   چاپ این صفحه

مژده به علاقه مندان به یادگیری لهجه عراقی - کتاب آموزش لهجه عراقی + فایل صوتی هر درس!


این کتاب از بهترین کتابهای آموزش لهجه عراقی است و همانطور که قبلا هم گفته بودم از آن برای آموزش لهجه عراقی به سربازان خارجی قبل از اعزام به عراق استفاده می شود.
دانلود در ادامه مطلب


دانلود مستقیم از پرشین گیگ

دانلود فایلهای صوتی (394 مگابایت در 5 قسمت)

part1: http://www.megaupload.com/?d=6CGRNO8T

part2: http://www.megaupload.com/?d=ZRFJ39MM

part3: http://www.megaupload.com/?d=M13ICIN1

part4: http://www.megaupload.com/?d=NH8CBZS0

part5: http://www.megaupload.com/?d=OYW315XQ

متاسفانه این سایت در بعضی سرورها مسدود شده است.
لطفا  سایتhttp://muplg.com/ را امتحان کنید. در صفحه اصلی این سایت آدرس لینک مورد نظرتان را در قسمت Megaupload link کپی کرده و سپس روی دکمه download it کلیک کنید.

+ درج شده در  چهارشنبه 11 فروردین1389ساعت 12:26 بعد از ظهر  توسط  مـــــتـــــرجــــــم عــــــربـــــي   چاپ این صفحه

یک کتاب بسیار عالی و بی نظیر آموزش لهجه مصری است. این کتاب توسط دو تن از استادان دانشگاه آمریکایی قاهره به نامهای مونا کمال و أحمد حسنین به زبان انگلیسی تالیف شده است و به علت درسها و روش آموزشی عالی آن به زبان روسی هم ترجمه گردیده است. این کتاب دارای 20 درس است و از ویژگی های ان داشتن تمرینات عملی و درسهای آموزش دستورزبان لهجه مصري است.
علاوه بر آن، این کتاب دارای یک سی دی است که در آن فایلهای صوتی همه درسها قرار داده شده است.
پس پیش بروید مصری ها!




دانلود کتاب (انگلیسی-عربی)
حجم 2.96 MB




دانلود فایلهای صوتی (انگلیسی-عربی)
هر دو قسمت را دانلود کنید
بخش اول فایل فشرده سی دی صوتی
یا
دانلود از zshare
*****
 بخش دوم فایل فشرده سی دی صوتی
221 مگابایت


دانلود از مگا آپلود
 یا
دانلود از depositfiles
یا
دانلود از zshare




برای اجرای فایل کتاب نیاز به برنامه WinDjView دارید که از لینک زیر قابل دانلود است

Download WinDjView


+ درج شده در  چهارشنبه 11 فروردین1389ساعت 12:24 بعد از ظهر  توسط  مـــــتـــــرجــــــم عــــــربـــــي   چاپ این صفحه

معجم عربی عربی جاوا برای موبایل
از طریق لینک زیر می توانید مجموعه ای از بهترین قاموسهای عربی -عربی جاوا قابل استفاده در انواع گوشی ها ی تلفن همراه را دانلود کنید. این مجموعه عبارت است از معجمهای : المعجم الوسیط ، مفردات راغب، صحاح و چند معجم دیگر که به صورت کتابچه الکترونکی ساخته شده است. تقسیم این معاجم بر اساس حروف الفبا نیز استفاده از آنرا آسانتر کرده است. تعدادی از این معجمها را امروز می توانید از لینک زیر دانلود کنید و بقیه آنها را در روزهای آینده در وبلاگ قرار خواهم داد.




+ درج شده در  چهارشنبه 11 فروردین1389ساعت 12:22 بعد از ظهر  توسط  مـــــتـــــرجــــــم عــــــربـــــي   چاپ این صفحه

کتاب آموزش فارسی از تولیدات رادیو عربی ایران و شامل بیش از صد و چهل درس است. اگرچه این کتاب برای آموزش فارسی ساخته شده ولی به خاطر داشتن بیش از صد و چهل گفتگو به دو زبان عربی و فارسی, برای یادگرفتن عربی هم می تواند مورد استفاده قرار گیرد.
البته باید متذکر شوم که این کتاب برای کسانی که می خواهند عربی یاد بگیرند برنامه ریزی نشده است و به همین دلیل تنها می تواند یک کتاب کمک آموزشی برای شما باشد و نه بیشتر.
ضمنا من فايلهاي صوتي را در کامپيوترم دارم که فرصت آپلود آ» و گذاشتن آ»ها را در سايت متأسفانه ندارم

دانلود کتاب آموزش فارسی / آخرین نسخه
+ درج شده در  چهارشنبه 11 فروردین1389ساعت 12:19 بعد از ظهر  توسط  مـــــتـــــرجــــــم عــــــربـــــي   چاپ این صفحه

کتاب "العربیة بین یدیک" از جدیدترین کتابهای تالیف شده در آموزش مکالمه عربی است که نسبت به کتابهای قبل ویژگی های جدیدی دارد. از جمله اینکه در درسهای آن از روشهایی جدیدی استفاده شده است, همچنین کتاب به گونه ای تالیف شده است که در مقایسه با کتابهای دیگر نیاز کمتری به استاد و کلاس دارد و شاید کسی با کمی پیش زمینه و استعداد و هم بحث , بتواند پیشرفت خوبی داشته باشد. از ویژگی های دیگر این کتاب طراحی و ظاهر زیبای آن و وجود فایلهای صوتی برای هر درس است که استفاده از آنرا دلچسب تر و راحتتر می کند.
مولفین کتاب:
دکترعبد الرحمن ابن ابراهیم الفوزان
دکتر مختار الطاهر حسین (که از مولفان کتاب العربية للناشئین و احب العربية و العربية للراشدين هم است)
دکتر محمد عبدالخالق محمد فضل
تحت اشراف:
دکتر محمد ابن عبد الرحمن آل شيخ

لینک دانلود کتاب به فرمت پی دی اف




+ درج شده در  چهارشنبه 11 فروردین1389ساعت 12:17 بعد از ظهر  توسط  مـــــتـــــرجــــــم عــــــربـــــي   چاپ این صفحه

دانلود نرم افزار چند رسانه ای داستانهای پیامبران به زبان عربی (داستان های صوتی تصویری عربی همراه با متن)

مجموعه ای بسیار عالی از داستانهای پیامبران به زبان عربي روان و ساده و همراه با تصاویری جذاب و متن هر کدام از داستانها.
استفاده از این نرم افزار را به همه علاقه مندان به زبان عربي به ویژه کسانی که سطحشان متوسط یا پایینتر است توصیه می کنم. حجم این نرم افزار بیش از 400 مگابایت است ولی پس از فشرده سازی تبدیل به 220 مگابایت کاهش پیدا کرده و برای سهولت دانلود به 3 قسمت 70 مگابایتی و یک فایل 10 مگابایتی تقسیم شده است.




اسطوانة الأنبياء
***
اسطوانة الأنبياء
+ درج شده در  چهارشنبه 11 فروردین1389ساعت 12:14 بعد از ظهر  توسط  مـــــتـــــرجــــــم عــــــربـــــي   چاپ این صفحه


 



تصویری از محیط برنامه

+ درج شده در  چهارشنبه 11 فروردین1389ساعت 12:12 بعد از ظهر  توسط  مـــــتـــــرجــــــم عــــــربـــــي   چاپ این صفحه

 14 درس صوتی آموزش عربی فصیح و لهجه دارجه لبنانی که مطمئنم  این درسها براتون مفید خواهد بود. چون علاوه بر آموزش جمله به جمله، ترجمه فارسی همه عبارات هم گفته میشه. در این درسهای آموزشی مکالمات ضروری و روزمره به عربی فصیح،عربی عامیانه لبنانی و فارسی گفته میشه.


+ درج شده در  چهارشنبه 11 فروردین1389ساعت 12:10 بعد از ظهر  توسط  مـــــتـــــرجــــــم عــــــربـــــي   چاپ این صفحه


این کتاب از بهترین کتابهایی است که در زمینه آموزش و حفظ لغات عربي تالیف شده است. شما در این کتاب با استفاده از تصاویر جذاب  از اشیاء، اجسام و اماکن مختلف نام هرکدام از آنها را به عربی یاد می گیرید. به عنوان مثال تصویری از آشپزخانه را همراه با تمام لوازم مورد استفاده در آن را می بینید که نام هرکدام از آنها به عربی در کنارش نوشته شده است. تصاویری به همین صورت از خانه، باغچه، خیابانها، مدرسه، اعداد، انواع پوشاک و لباس، آب و هوا، خوراکی ها و میوه ها، ورزشها، شهربازی، فروشگاه، مزرعه، فرودگاه و... وجود دارد. علاوه بر آن نحوه تلفظ هر کلمه هم با حروف انگلیسی در کنار آن نوشته شده است.
این روش علاوه بر اینکه باعث بهبود روند یادگیری و تثبیت لغات در حافظه می شود فرایند حفظ لغت را برای شما تبدیل به یک کار جذاب و تفریح گونه می کند. در این کتاب 1000 لغت پرکاربرد عربی را می توانید یاد بگبرید و در مکالمات روز مره آنها را استعمال کنید.
فرمت این کتاب 67 صفحه ای پی دی اف (pdf) است و حجم آن 17 مگابایت می باشد. برای دانلود روی لینک زیر کلیک کنید.

+ درج شده در  چهارشنبه 11 فروردین1389ساعت 12:9 بعد از ظهر  توسط  مـــــتـــــرجــــــم عــــــربـــــي   چاپ این صفحه


العصر الجاهلى

http://al-mostafa.info/data/arabic/g...other/0001.pdf

العصر الإسلامى

http://al-mostafa.info/data/arabic/g...other/0002.pdf

العصر العباسى الأول

http://al-mostafa.info/data/arabic/g...other/0003.pdf

العصر العباسى الثانى

http://al-mostafa.info/data/arabic/g...other/0004.pdf

عصــر الــدول والإمـــــارات

http://al-mostafa.info/data/arabic/d...ile=008558.pdf

تاريخ الأدب العربى ـ أحمد حسن الزيات

http://www.zshare.net/download/12717771a733078d/

تاريخ آداب العرب للرافعى ج1

http://al-mostafa.info/data/arabic/g...other/0010.pdf

تاريخ آداب العرب للرافعى ج2

http://al-mostafa.info/data/arabic/g...other/0011.pdf

تاريخ آداب العرب للرافعى ج3

http://al-mostafa.info/data/arabic/d...ile=005567.pdf

تاريخ الآداب العربية ـ لويس شيخو

http://al-mostafa.info/data/arabic/d...ile=010015.pdf

الجامع فى تاريخ الأدب العربى القديم ـ حنا الفاخورى

http://www.4shared.com/file/22796728/889c6501/

تاريخ الأدب العربى ـ بروكلمان

http://www.wadod.net/open.php?cat=4&book=325

تاريخ الأدب الجغرافى العربى ـ كراتشكوفسكى

http://www.wadod.net/open.php?cat=14&book=518

مقدمات فى تاريخ أدبنا القديم
د: التطاوى ـ د: مى يوسف خليف

http://al-mostafa.info/data/arabic/d...ile=007529.pdf

تاريخ الأدب الأندلسى ـ احسان عباس

http://al-mostafa.info/data/arabic/d...ile=005986.pdf

تاريخ الأدب الأندلسى ـ محمد زكريا عنانى

http://al-mostafa.info/data/arabic/d...ile=011884.pdf

تاريخ الأدب التونسى الحديث ــ مجموعة من الباحثين

http://al-mostafa.info/data/arabic/d...ile=006454.pdf

الأدب العربى المعاصر فى مصر ـ شوقى ضيف

http://dc46.4shared.com/img/45471067/debb686e/_____.pdf

مقدمة فى أدب العراق القديم ــ طه باقر 0 طـ بغداد 1976م

http://al-mostafa.info/data/arabic/d...ile=008415.pdf

الشعر فى السودان ــ عبده بدوى 0 عالم المعرفة 1981م

http://al-mostafa.info/data/arabic/g.../Issue-041.pdf

الشعر اليمنى قديمه وحديثه ــ عبدالله البردونى ــ بيروت طـ 3 سنة 1978م

http://al-mostafa.info/data/arabic/d...ile=017639.pdf

الوافى بالأدب العربى فى المغرب الأقصى ـ محمد بن تاويت
الجزء الأول ــ طبع الدار البيضاء طـ أولى سنة 1982م

http://al-mostafa.info/data/arabic/d...ile=015468.pdf

+ درج شده در  چهارشنبه 11 فروردین1389ساعت 12:4 بعد از ظهر  توسط  مـــــتـــــرجــــــم عــــــربـــــي   چاپ این صفحه